|
||
|
||
|
َ |
||
|
موقف الكنيسة الكاثوليكية من نتائج الخطيئة الجدية
وانتقالها إلى الجنس البشري: البيلاجيون هم أول وأشهر من أنكر مباشرة انتقال الخطيئة الأصلية ونتائجها إلى الأحفاد لأنهم اعتبروا أن خطيئة آدم هي خطيئة شخصية بالكلية ولذا فهي ليست بالنسبة لذريته سوى مثل سيء. أما الآلام والشهوة والموت إلخ... فهي ليست سوى ظواهر طبيعية بحتة وبدون أية علاقة سببية مع خطيئة الإنسان الأول. وكما هو معروف فقد حارب المغبوط اغسطينوس البلاجية وعقدت ضدها عدة مجامع في الغرب (ميلان416، قرطاجة 418، أورانج 529) وأخيراً حرمها المجمع المسكوني الثالث الثالث 431. في العصور الوسطى حرم مجمع سانس عام 1140 عبارة بطرس ابيلارد التالية: "لم تحلّ فينا خطيئة آدم بل العقاب فقط"، كما وضح المجمع التريدنتي المنعقد سنة 1546 بصورة خاصة تعليم الكنيسة الكاثوليكية الرسمي عن الخطيئة الجدية في قراره المسمى "في الخطيئة الأصلية" (Super peccata originali). من هذا التعليم يتضح موقف الكنيسة الكاثوليكية والذي يرتكز على نتائج الخطيئة الجدية وانتقالها:
ويعتقد هؤلاء
العلماء استناداً إلى مجمع أورانج الثاني (529) أن جرح الطبيعة يعتمد إلى الجسم
والنفس ويحصون، مع القديس توما علاوة على الألم والموت وهما جرحا للجسم جراحاً
أربعة للنفس، فجراح الجسم أساسها ضياع المواهب فوق الطبيعية من عدم التألم
والموت وجراح النفس أساسها ضياع مواهب السلامة (وهي أيضاً فوق الطبيعة) وقوامها
الشهوة. ويتفق معظم العلماء الكاثوليك مع القديس توما الأكويني (بالرغم من
الجدل الدائر حول الموضوع)، بأن جرح الطبيعة اقتصر على ضياع المواهب غير
الطبيعية، لأنه لم يكن باستطاعة خطيئة آدم أن تحدث لا في طبيعة آدم الخاصة، ولا
في طبيعة ذريته، "مَلَكة سيئة".
أهم ما في الموضوع أن هذه الميكانيكية في فهم الأمور تجعلنا نصل إلى النتيجة بأنه كما نفيت عن الإنسان منذ البداية المسؤولية عن المشاركة في بناء شخصيته وتحقيق تقدمه وكماله، نفيت عنه، بعد السقوط، وحتى الإمكانية أن يتراجع وينحدر وبالتالي أن تتشوه طبيعته وتظلم.
وطبعاً بحسب السكولاستيكيين، المتأثرين بالمغبوط اوغسطين، فمصدر سقوط جدينا من الشرور هو ضياع مواهب السلامة ويدللون على أن الله أنزل العذاب والموت عقاباً للخطيئة من التكوين (3: 16-17) للجواب على نظرة الكنيسة الكاثوليكية إلى النتائج التي ترتبت على سقوط جدينا الأولين بخصوص عقاب الموت نورد بعض أقوال الآباء الشرقيين لكي نوضح أكثر موقف الكنيسة الشرقية المشار إليه سابقاً والذي يتلخص بالنقطتين التاليتين:
من المسلمات البديهية لحياة ولاهوت الكنيسة الأولى كما في العهد الجديد. أن الهدف من ظهور ابن الله هو نقض أعمال الشيطان: "لأجل هذا أظهر ابن الله لكي ينقض أعمال إبليس" (1يو3: 8). "فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبدي بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس" (عبر2: 14). لا بل يظهر من الأناجيل وبكل وضوح أن عمل المسيح هو محاربة الشياطين ونزع سلطانهم عن البشر لكي يأتي عليهم ملكوت الله: "ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله" (متى12: 28). كما أن هناك حرب هائلة لا مهاونة فيها بين الله والشيطان "لا يستطيع أحد أن يدخل بيت قوي وينهب أمتعتعه إن لم يربط القوي أولاً وحينئذ ينهب بيته" (مر3: 27-29، لو11: 20-22)، وإن هناك الكثير من المظالم والأمور غير اللائقة تصير ضد إرادة الله، لأن الله لا يحارب الشر بالعنف بل بطول الأناة والمحبة والعدالة (مثل الكرم لو20: 9-17، مثل التينة التي لم تثمر لو13: 6-9 إلخ...). وفي اللحظة التي تنزع فيها الحرية عن الخلائق بما فيها الشيطان يصبح الله بصورة تلقائية مسبباً للشر. إن حصول الشيطان إذن على سلطان الموت، ببعديه النفسي والجسدي، لم يكن برضى الله بل على العكس كان فشلاً ولو مؤقتاً لمخطط الله بالنسبة للعالم، لأنه بمجرد أن جرحت الطبيعة البشرية بفساد الموت صار الجميع تحت سلطان الموت وبالتالي أسرى للشيطان. الشيطان جلب الموت على الإنسان بواسطة الخطيئة التي أبعده فيها عن الله فصار الإنسان ضحية خداع الشرير وشريكه في الخطيئة. لكن أفعال الشيطان وأبالسته، لم تقتصر فقط على خداع الإنسان من خلال الأفكار الشريرة التي أوحاها للناس ففصل بينهم وبين الله ومزّق وحدتهم الداخلية والاجتماعية بل امتدت، كما رأينا، وحتى إلى طبيعتهم ذاتها، وإلى الحيوانات غير الناطقة والطبيعة الجامدة. هكذا فالشيطان هو المسبب الأول للفساد وبالتالي للضعفات والأمراض، ومن ثم للموت (لو13: 16، أع10: 38 إلخ...). لذا قبل نزول المسيح إلى الجحيم كان الشيطان هو الوحيد الذي عنده سلطان الموت، ولا يزال حتى الآن هو رئيس هذا العالم (يو12: 31) وإله هذا الدهر (2كو4: 4). بناء عليه فالطريقة الوحيدة لتحطيم قوة الشيطان هي سحق الفساد والموت لأن الفساد والموت وليدا الخطيئة هما أيضاً مولداها في حلقة مفرغة لا تتوقف ولا تنتهي وليس هناك، كما يكتب القديس ايريناوس، أية وسيلة ممكنة لتصل إلى عدم الفساد والموت إلا بالاتحاد مع من هو عدم الفساد والموت.
تعلن الكنيسة
الكاثوليكية رسمياً أن الخطيئة التي هي موت النفس تسري من آدم إلى ذريته عن
طريق الأصل لا الاقتداء، وأنها تسكن في كل إنسان بمفرده، ويستشهد الكاثوليك على
ذلك من الكتاب المقدس فيوردون من العهد القديم: "ها أنذا بالآثام حبل بي
وبالخطايا ولدتني أمي" (مز50: 7)، "من يأتي بطاهر من نجس لا أحد" (أيوب14: 4).
ومن العهد الجديد النص الشهير لبولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية: "من أجل
ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت هكذا اجتاز
الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (رو5: 12)، وكذلك: "لأنه بمعصية الإنسان
الواحد جعل الكثيرون خطأة هكذا أيضاً بإطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبراراً"
(رو5: 16). وقد ترجم المغبوط اوغسطين ومن بعده لاهوتيو العصور الوسطى، كلمة "
وعندما يترجم
الكاثوليك كلمة: " هكذا إذاً يعتبر الكاثوليك وبحسب تعليم المجمع التريدنتي بأن الخطيئة الأصلية هي خطيئة حقيقية وبحصر المعنى إذ تتنقل خطيئة آدم بالوراثة إلى كل ذريته وتبقى في كل فرد منها كخطيئة خاصة. وتقوم هذه الخطيئة الأصلية بحالة من حرمان النعمة المبررة الواجب وجودها بمقتضى الإرادة الإلهية، من أجل ذلك فهذا الخلو من النعمة المبررة يتضمن من حيث هو ابتعاد عن الله وصمة اثم. ومن خصائص الخطيئة كخطيئة قبول الإرادة الحرة بها لكن الولد قبل سن الرشد لا يستطيع أن يأتي فعلاً اختيارياً شخصياً، وعليه فالعنصر الاختياري للخطيئة الأصلية يجب البحث عنه في خطيئة آدم الحرة. فآدم كان ممثل الجنس البشري بأسره وعلى قراره الاختياري يتعلق حفظ الحالة الفائقة الطبيعة التي مُنحها، أو خسرانها، لا له شخصياً بل للطبيعة البشرية على أنها طبيعة بشرية، وهكذا كانت خطيئته خطيئة الجنس البشري كله.
مما لا شك فيه أن الكنيسة الجامعة في الشرق والغرب وبلسان مجمعهما المسكوني الثالث (431) قد حرّمت تعليم بيلاجيوس الذي ينكر العلاقة السببية بين خطيئة آدم وبين الآلام والشهوة والموت التي تستعبد الجنس البشري معتبراً إياها مجرد ظواهر طبيعية بحتة. لأن تعليم الكنيسة الجامعة هو نفسه تعليم الكتاب المقدس الذي يظهر بصورة واضحة سيطرة الشيطان والخطيئة والبؤس والفساد والموت الروحي والجسدي على الطبيعة المخلوقة نتيجة لسقوط الجنس البشري في الخطيئة انطلاقاً من الخطيئة الأولى للجدّين الأولين في الفردوس. هذا ما يؤكده بصورة خاصة القديس بولس الرسول في نصه المذكور أعلاه: "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس..." (رو5: 12). لكن المفهوم
الغربي لهذه الآية والذي نتج عن الترجمتين المذكورتين أعلاه لكلمة
كمثال عن نظرة آباء الكنيسة الأولين لهذا الموضوع نأخذ القديس ايريناوس الذي يقول: "بما أن الموت قد ملك في الجسم فمن الضروري والمناسب أن يباد الموت ويحرر الإنسان من عبوديته بواسطة جسم، وهكذا فالكلمة صار جسداً لكي بواسطة جسم واحد يباد الموت الذي به سادت الخطيئة وأقامت وتملكت، فلا يوحد فينا بعد". لا بل يعتبر في
مكان آخر أن الأهواء كالحزن والخوف والقلق... إلخ قد أتت علينا بالموت
ولكي نوضح أكثر هذا المفهوم لا بد أن نرجع إلى الفكرة الآبائية المحورية وعي دعوة الإنسان إلى الكمال والتأله فنجد أن الموت وهو بصورة رئيسية موت النفس وفساد الجسد، يجعل من المستحيل تقريباً تحقيق هذه الدعوة لأن فقدان النعمة الإلهية (موت النفس) يعني ضعف القوى النفسية والجسدية للطفل المولود حديثاً وبالتالي ترجيح ميله منذ البداية إلى الشرور، هذا الميل يصبح قوياً عندما يصير محسوساً أكثر في الجسد الذي تسلطت عليه قوة الفساد من خلال قوة الشيطان والموت التي تتملك في الإنسان فتثير الخوف والقلق وعموماً غريزة المحافظة على الذات. لأنه بسبب الخوف من الموت يصب الإنسان كل جهوده من أجل المحافظة على الذات والبقاء في الحياة وهذا ما يتعارض كنقطة انطلاق مع هدفه الأسمى الأصلي في المحبة الباذلة لذاتها والمتجهة نحو الله والقريب. الصحيح إذن أنه ليس فقط الموت قد ملك بالخطيئة (رو5: 17) بل أيضاً وبحسب الرسول بولس نفسه أن الخطيئة قد ملكت في الموت (رو5: 21)، وفي الجسد المائت (رو6: 12) وأن شوكة الموت الخطيئة (1كو15: 56). لأن الضعف الموروث في الطبيعة البشرية المائتة والخوف من الموت هما اللذان يسمحان للشيطان أن يقود الإنسان إلى تفكير غير سليم وتصرفات ذات طابع أناني نحو الله والقريب كالبغض والحسد والكبرياء... إلخ وأن تتحول هذه التصرفات إلى أهواء متجذرة في النفس والجسد. الإنسان كما يقول الذهبي الفم "يتحمل كل شيء من أجل أن لا يموت" لذا يخاف باستمرار أن تصبح حياته بلا معنى فيحاول أن يظهر لنفسه وللآخرين أن عنده قيمة ما. يحب المديح والتملق ويخاف الإهانات، يبحث عما يؤكد علو شأنه ويحسد نجاحات الآخرين، يحب الذين يحبونه ويكره الذين يكرهونه، ينشد الأمان والسعادة في الغنى والمجد واللذائذ الجسدانية. وهكذا يصير الإنسان وبسبب هذا الخوف والقلق عبداً لأنانيته، وحتى عندما يكرّس نفسه لخدمة أهداف إنسانية، ينطلق من دوافع ذاتية مصلحية. ولقد عاش الإنسان قبل أن يُعطى الناموس الموسوي بحسب ناموس الخطيئة ودون أن يعرف أن الموت شيء دخيل تتملك بواسطته الخطيئة والشيطان: "حتى الناموس كانت الخطيئة في العالم" (رو5: 13). وبالتأكيد فإن الجهل بالناموس لا يعني أنه لم تكن هناك خطيئة: "لأن كل من أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يدان" (رو2: 12). لأن الخطيئة التي هي مخالفة الإرادة الإلهية، تشمل أفعال البشر الواعين لها وغير الواعين، كما هي الحال مثلاً عند أكلة لحوم البشر، إذ هي بحسب بولس الرسول والآباء الأولين حالة تتناقض مع إرادة الله، ولهذا فجميع الذين ولدوا فيها صاروا خطأة (رو5: 19). "الكل زاغوا وأعوزهم مجد الله" (رو3: 12) لأنهم بسبب فاعلية الشيطان بواسطة إماتة النفس (الحرمان من النعمة الإلهية) وضعف الجسد يولد الجميع مع ميل قوى إلى الخطيئة والجميع يخالفون إرادة الله بمعرفة أو بغير معرفة وهكذا يولدون أسرى للشيطان والموت والخطيئة وبناء عليه يفشلون في الوصول إلى هدف وجودهم الأصلي أي الكمال والخلود والتأله فيعوزهم مجد الله. دور الناموس في العهد القديم أنه فضح حالة الخطيئة التي تستعبد الإنسان من خلال ناموس الموت (رو3: 20) ولكنه لم يستطع إلغاءها (رو7: 22-24). فقط بإبادة الموت من خلال الشركة في المسيح مع القوة المحيية للروح الإلهي يستطيع الإنسان أن يدوس الخطيئة الساكنة فيه وهكذا يحيا بحسب ناموس روح الحياة (رو8: 2). ومن هنا نفهم أهمية المعمودية للأطفال والتي تتركز، كما يستطيع أن يلاحظ أي متتبع لخدمة المعمودية، على نقطتين رئيسيتين:
انطلاقاً إذاً من حادث خطيئة أبوي الجنس البشري دخلت حالة الخطيئة التي انتقلت وراثياً مع كل نتائجها إلى كل ذريتهما. وهذه الوراثية يفهمها الآباء على أساس الوحدة السرية غير القابلة للانقسام للطبيعة البشرية. ولذا يصبح آدم كمثل جذر فسُد فأنتج الفساد لكل جنسه. ولتوضيح نظرة الآباء الشرقيين إلى هذه الأمور نعطي مثالين من أقوال أبوين معلمين للكنيسة شرقاً وغرباً أولهما القديس كيرلس الإسكندري رئيس المجمع المسكوني الثالث الذي أدان البيلاجية: "كيف صار الكثيرون بسببه خطأة (بسبب آدم)، وما علاقتنا نحن بزلاته؟ وكيف نحن الذين لم نكن بعد في الوجود حكم علينا معه؟ على الرغم من قول الرب: "لا يموت الآباء من أجل الأبناء ولا الأبناء من أجل الآباء. النفس التي تخطئ هي تموت"؟... لأنه سقط في الخطيئة وانزلق في الفساد الذي تسرب إلى طبيعة الجسد لذائذ مع نجاسات واندس في أعضائنا ناموس متوحش. سقمت إذن الطبيعة بعصيان الواحد أي آدم، وهكذا صار الكثيرون خطأة. ليس كأنهم شاركوا آدم، لأنهم لم يكونوا بعد، بل لأنهم كانوا طبيعته التي سقطت تحت الخطيئة... مرضت إذن الطبيعة البشرية في آدم بفساد العصيان فدخلت فيها الأهواء...". أما الأب الثاني فهو القديس يوحنا الذهبي الفم: "ما هي إذن ال (كثيرون صاروا خطأة) يبدو لي أن المستحقين للجحيم والمحكوم عليهم بالموت والذين لم يأكلوا من الشجرة صاروا مثل ذلك الذي سقط، منه جميعاً أموات".
في سنة 1854 أصدر البابا بيوس التاسع منشوراً بابوياً (Ineffabilis Deus) أعلن فيه: "أن العذراء المباركة مريم، منذ اللحظة الأولى للحبل بها، حفظت طاهرة من كل دنس الخطيئة الجدية، بواسطة نعمة وامتياز الله القدير وحدهما، وبالنظر لاستحقاقات يسوع المسيح مخلص الجنس البشري". هذه العقيدة الكاثوليكية التي أُعلنت بشكل رسمي في القرن التاسع عشر ترجع في أصولها إلى القرن التاسع وقد دارت حولها منذ القرن الثاني عشر مناقشات عديدة بين اللاهوتيين السكولاستيكيين امتدت إلى عدة قرون. كما انتشر التعبير لهذا الحبل بلا دنس من منطقة إلى منطقة أخرى، في الغرب. وفي سنة 1439 أقره مجمع بازل كرأي تقوي متفق مع الاعتقاد الكاثوليكي. وفي القرن الثامن عشر صار الاحتفال بعيد الحبل بلا دنس عاماً في الكنيسة الكاثوليكية فجاء الإعلان عن هذه العقيدة في القرن التاسع عشر كنتيجة طبيعية لهذا التطور. ومما يجدر ذكره أن أغلب السكولاستيكيين الكبار قد عارضوا فكرة الحبل بلا دنس ومن بينهم بونافنتورا (1247+)، البرت الكبير (1280+)، توما الأكويني (1274+)، وقد تبع الدومينيكان القديس توما الأكويني في رفضه للحبل بلا دنس في حين دافع عنه سكوت (1308+) وتبعه في ذلك الفرنسيسكان. ولكي يثبت الكاثوليك هذه العقيدة يستشهدون من الكتاب المقدس بصورة خاصة بالنصوص التالية: (تك3: 15، لو1: 28، 41-42) كما يلجأون إلى الآباء فيقدمون مقاطع من كتابات جوستين الشهيد وايريناوس وأفرام السوري ويوحنا الدمشقي وأندرواس الكريتي وامبروسيوس وأوغسطين...إلخ. هذه النصوص جميعها كتابية كانت أم آبائية لا تحتوي في الحقيقة تعليماً عن الحبل بلا دنس للعذراء بل تمتدح طهارة وقداسة العذراء الشخصية وحتى قبل ولادة السيد وتعتبرها حواء الجديدة بالمقابلة مع يسوع آدم الجديد. فمن جهة يبدو منطقياً للغاية موقف الرافضين للحبل بلا دنس حين يقولون: "في كل حبل طبيعي ينقل دنس الخطيئة الجدية، وبما أن العذراء قد حُبِلَ بها بطريق طبيعي فلم تستثنى من هذا القانون". لكن من جهة أخرى، ومن نقطة الانطلاق ذاتها لا بد من طرح السؤال التالي: إن كان سقوط الجدين الأولين في الفردوس قد جلب على الجنس البشري كله فقدان النعمة المبررة وغضب الله وسخطه فكيف يمكن أن يتفق فقدان النعمة وغضب الله مع قول الملاك: "سلام لك أيها المنعم عليها، الرب معك مباركة أنت في النساء..." (لو1: 28) وخصوصاً مع قداستها الفائقة التي أهلتها لأن تلد الإله؟. لا بد إذن من وجود استثناء خاص وإنعام إلهي يتجاوز هذا الغضب وهو ما توصل إليه القابلون لهذه العقيدة رغم النصوص الواضحة التي تؤكد شمول حالة الموت والخطيئة وسلطان الشيطان جميع الذين ولدوا من الجنس البشري (رو5: 12، 3: 23، غل3: 22-23)...إلخ. بالنسبة للاهوت الآبائي تطرح المشكلة بطريقة مختلفة تماماً، نظراً لاختلاف منطلقاته الأساسية عن منطلقات اللاهوت السكولاستيكي، فكما رأينا، يرث الإنسان فعلاً عبر التناسل الطبيعي للجنس البشري ضعف الموت في طبيعته، وهكذا يوجد بمستويات مختلفة تحت سلطة الشيطان والخطيئة والموت. ولكن هذا لم يمنع الذين ساروا مع الله في العهد القديم من الجهاد ضد الخطيئة وتجارب الشيطان، كما لم يمنع عنهم بالكلية نعمة الله التي رافقتهم وظللتهم في مسيرة جهادهم وفي الواقع فإن ذلك الجهاد وتلك النعمة لم يكونا منفصلين عن عمل المسيح الفدائي بالصليب. بل ضمن إطاره، ولو أنهما استبقاء في الزمن. إذ حمل مجاهدو العهد القديم الصليب وتبعوا المسيح بالإيمان، وقبل أن يكون هناك صليب منظور للمسيح، ونالوا قسطاً من نعمته وحتى قبل أن تفيض كلياً بالفداء (أنطر عب11 واكو10 وشرح الآباء وخصوصاً القديس غريغوريوس بالماس لسر الصليب). ولكن تحقق المواعيد أي الخلاص الشامل من سلطة الموت والشيطان وإحياء النفوس بنعمة الروح القدس المحيية تم بعد انتصاره النهائي بالصليب على الموت والشيطان. إذن وجد حقاً أبرار في العهد القديم، ولم يكن الله غاضباً عليهم، كما يؤكد هذا العهد الجديد ذاته (لو2: 25، 2: 31، متى1: 19، 23: 35). من هنا نستطيع أن نفهم سر قداسة العذراء، لا على ضوء النعمة الخاصة الاستثنائية التي أُعطيت لها من الله حين حبل بها بلا دنس وكأن لا دور لها على الإطلاق في هذه القداسة، بل على ضوء همل نعمة الله فيها عبر جهادها الشخصي من أجل الكمال والفضيلة بصمت وتواضع، وعبر جهاد أبويها القديسين لا بل وحتى من سبقوها من أبرار العهد القديم في الإيمان بالبر الذي بيسوع المسيح. من هنا فقداسة العذراء هي ثمرة قداسة العهد القديم كله والممثلة الحقيقية للجنس البشري في قبوله الطوعي للخلاص بيسوع المسيح: "ها أنا أمة للرب، فليكن لي بحسب قولك" (لو1: 28) الكتاب المقدس والآباء يعتبرون أن هناك فعلاً نعمة خاصة استثنائية حلّت على العذراء، ولكن ليس وقت الحبل بها بل وقت الحبل بالسيد، تطهرها كلّياً وتعدها من أجل اقتبال ذلك الحدث الفريد الاستثنائي، وهو تجسد ابن الله من دمائها الطاهرة: "الروح القدس يحل عليكِ وقوة العلي تظللك..." (لو1: 35) وهو ما لا يتعارض مع حريتها الشخصية ودورها الأساسي في التجسد. خلاصة القول أن الحبل بلا دنس بحسب المفهوم الكاثوليكي يعني قبولاً ميكانيكياً من العذراء للخلاص خارجاً عن المسيح وقبل المسيح. وهذا معناه أنها لم تكن في وحدة مع الجنس البشري، وأن المسيح لم يكن لها المخلص والوسيط الوحيد (لو1: 47، رو5: 15، 1تيمو2: 5).
موقف الكنيسة البروتستانتية من نتائج الخطيئة الجدية
وانتقالها: كمثال على ذلك نقتطف فقرات من بعض قوانين الإيمان الرئيسية البروتستانتية:
أما الموقف الكلفيني من قضية الخطيئة الجدية فيمكن تلخيصه بالنقاط التالية:
واضح أن مفهوم البروتستانت عامة من قضية الخطيئة الجدية يتضمن فكرة صحيحة وهي قبولهم لفكرة فساد الطبيعة الذي نتج عن الخطيئة الجدية. ولكن تطرفهم في اعتبار هذا الفساد، كتدمير تام للقوى البشرية الروحية يتناقض مع الإعلان الإلهي ومع وقائع التاريخ البشري للأسباب التالية:
|
||