الإنسان والخلق

َ

"في البدء خلق الله السماوات والأرض" (تك1: 1)
"الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه، إذ هو رب السماء والأرض،... إذ هو يعطي الجميع حياة ونفساً، وكل شيء، وصنع من دمٍ واحدة كل أمة من الناس، يسكنون على كل وجه الأرض" (أعمال17: 24-26).
"الله الذي هو صالح وأكثر من صالح،... أراد أن تأتي أشياء معينة إلى الوجود... تشارك في صلاحه، لذلك أتى بكل الأشياء من العدم إلى الكينونة وخلقها، سواء المنظورة أو غير المنظورة" (يوحنا الدمشقي).

يعلمنا سفر التكوين دروساً جميلة بل رائعة عن خلق العالم وكل ما فيه، وعن خلق الإنسان أخيراً. إن أردنا فهم الإنسان، وجب علينا أن نفهم سر خلقه وغايته. من أين أتى، وإلى أين هو ماضٍ، وما هو مصيره النهائي. خلق الإنسان سيبقى -مع ذلك- سراً من أسرار خالقه أولاً وأخيراً. ولكنه مع ذلك يعطينا مفهوماً مهماً لنا في حياتنا عن مكاننا في الكون، وعن علاقتنا مع الله من جهة، ومع الكون من جهة أخرى.

هذا الكون الرائع الجمال من حولنا يدفعنا للتساؤل: لماذا خلقه الله له المجد؟ ثم لماذا خلقنا؟ سؤال لن نعرف جوابه أبداً. ولكن سر الصليب يكشف لنا سر الخلق. الصليب عنوان المحبة، والخلق عنوان المحبة. والمحبة هي الدافع الذي دفع الله إلى خلق الإنسان. أن أُحبَّ الآخر يعني أن أشارك في كل كيانه وحياته. هذا ما تعلّمنا إيّاه عقيدة الثالوث. الله ليس واحداً بمعنى الوحدة والعزلة، بل هو واحد في ثلاثة. إنّه شركة الثالوث في رباط المحبة التي تسري بين الواحد والآخر بفيض لا ينضب. دائرة المحبة الإلهية هذه لم تبقَ مغلقة، بل أراد الله أن يفتحها ويفيض بمحبته على كائنات أخرى تشاركه حياته الجميلة. فأوجد هذه الكائنات. محبة الله بالمعنى الحرفي هي انجذاب Ecstatic أو اختطاف. وإن استعملنا التعابير البشرية على سبيل المجاز قلنا: المحبة تدفع الله خارج نفسه ليخلق كائنات غير ذاته تشاركه محبته وحياته. فخلق الله العالم في محبة انجذابية، ليكون بجانبه كائنات أخرى تشارك في حياة المحبة التي هي حياته.

ونحن نقول هذا بمنطق بشري. أما الله فهو غير محتاج إلينا. هو لم يخلقنا عن احتياج واضطرار. كان من الممكن أن لا نوجد. وجودنا وعدمه لا يزيد ولا يُنقص من وجود الله. لسنا تكملة عدد ليُضاف إلى الله شيء ما.

لكن هذا لا يعني أن الخلق عمل غير مهم. الله هو في كل ما يفعل. وهكذا ففعله في الخلق ليس شيئاً منفصلاً عنه. ففي قلب الله، في قلب محبته، يوجد كل واحد منا، دائماً، وإلى الأبد.

الله هو أصل كل خليقة. هو خلقها، وإليه تتجه، وفيه تحقّق معناها. العالم ليس ضرورة. وليس ذاتي الاكتفاء. ولكنه كثمرة لعطية الله الحرة ومحبته الحرّة هو يعتمد عليه.

نحن ككائنات مخلوقة لا يمكننا أبداً أن نكون وحدنا. الله هو لبّ كياننا، وإلا فسنقف عن أن نوجد. لأننا في كل لحظة من لحظات حياتنا نعتمد في وجودنا على إرادة الله التي أحبتنا فخلقتنا. "إذ هو يعطي الجميع حياة ونفساً وكل شيء... لأننا به نحيا ونتحرك ونوجد" (أعمال17: 25 و28).

هو أراد أن نوجد، فخلقنا على صورته ومثاله. فالوجود هو عطية حرّ’ من الله. عطية حرة لمحبته. هذه العطية لا يمكن أن تُسلب منا أبداً. ولكنها عطية لا يمكن امتلاكها بقوتنا الخاصة، لأنها نعمة من الله.

لا شيء في الكون يملك علّة أو سبب وجوده في ذاته إلا الله. فكل الأشياء المخلوقة لا تملك سبب وجودها في نفسها بل في الله. الله وحده ذاتي المصدر، قيّوم، قائم في ذاته. كل الكائنات المخلوقة بما فيها الإنسان مصدرها الله، جذورها فيه، أصلها فيه، ملؤها فيه.

وإن أردنا تشبيهاً قلنا: الله وحده اسم. أمّا الأشياء المخلوقة فكلّها صفات.

***

نقرأ في سفر التكوين أن السماء والأرض وكل ما فيها قد خُلقت "في البدء".

القديس باسيليوس الكبير يرى أن "بداية الزمان ليس بعد الزمان، ولا حتى أصغر جزء منه. لأنه كما أن بداية طريق هي ليست بعد طريقاً، وبداية منزل ليست بعد منزلاً، أيضاً بداية الزمان ليست بعدُ الزمان".

مع خلق الكون بدأ الزمان. الإرادة الإلهية خلقت "في البدء". هذا يعني أن عملها كان أنياً وخارج الزمان.

ليس الله مقيّداً في الزمان والمكان. زمانه هو السرمدية، أي أنه بلا بداية ولا نهاية. ولا مكان له. هو الحاضر دائماً. بعد خلق العالم نقول: إنه الحاضر في كل مكان. أما الكون فله بداية ونهاية. قبل خلقه لم يكن مكان وزمان. مع خلقه أوجد الله المكان وبداية الزمان. فقال في سفر التكوين: "في البدء خلق الله...." (1: 1). وهو يعني بذلك أن يسوع كان موجوداً في لحظة الخلق. اللفظة اليونانية èn بلا مقابل في العربية. مقابلها الإنكليزي was والفرنسي était يعني أن يسوع ليس بداية الخليقة والزمان والمكان، بل هو الكائن الموجود في تلك اللحظة. وبما أنه موجود قبل الزمان والمكان، فهو موجود في السرمدية. والكائنات المخلوقة خُلقت في الزمان، ووضعت في حركة دائمة باتجاه واحد نحو الله. القديس مكسيموس المعترف يرى أن الزمان حركة، وتبدّل خاص بالأشياء المخلوقة التي منشؤها في تبدّل، وهكذا أيضاً منشأ الزمن.

لذا يعلّمنا سفر التكوين أن عقيدة الخلق لا تهدف إلى تعيين نقطة بدء زمنية للعالم. ولكن يؤكد على أن في هذه اللحظة الحاضرة بالذات، كما في كل اللحظات، يعتمد العالم في وجوده على الله.

عندما يقول التكوين "في البدء خلق الله السماوات والأرض" (1: 1) فإن كلمة "البدء" لا تعني المفهوم الزمني الذي يهم النظرة العلمية المادية، بل تعني في الرؤيا الروحية أن الله هو العلة الدائمة لكل ما خلق.

وكخالق، فالله دائماً يكمن في قلب كل خليقته، باقياً في كيانها. وكل خليقة تنطق بعظمة الله، وبجماله، وبهائه. كل خليقة تشهد له. فسواء نظرنا غلى المجرّات والكواكب، وسواء تعمّقنا في أسرار الخلية الحية ودقائقها، وجدنا هناك شيئاً ما، سراً، سهماً يشير إلى الذي لا يستقصى أثره، ولكنه ترك على ما خلق طابعه، وبصماته، وسحره.

فمع أن الخليقة تشهد لخالقها، فلا يمكن تحديد هوية الله بالعالم. الله في كل الأشياء، ومع ذلك وراء كل الأشياء وفوقها. إنه "أعظم من العظيم" و "أصغر من الصغير". وكما يقول القديس غريغوريوس بالاماس: "إنه في كل مكان وهنا. إنه في كل شيء ولا شيء".

وكما يقول أحد الرهبان: "الله في اللبّ. الله هو آخر اللبّ. الله في داخل اللبّ، ووراء اللبّ. أقرب إلى اللبّ من اللبّ".

***

غالباً ما ننسى أن خلق العالم ليس حقيقة لنظام فلسفي كما في الفلسفات الوثنية. ولكنه أداة للإيمان. الخلق يُدخلنا إلى الخالق والمخلوق. فتقترب من الأول، ونعرف الثاني، وبالتالي نحيا في شركة مع الاثنين.

الفلسفة الوثنية القديمة لا تعرف شيئاً عن الخلق في المفهوم المطلق. فمثلاً، أفلاطون يرى أن القوة الخالقة demiurge ليس إلهاً خالقاً، ولكنها قوة، شيء ما، منظِّم للكون، فنان، مصمِّم للخليقة. وهذا مخالف لإله الوحي المسيحي.

في الفكر اليوناني نرى أن القوة الخالقة هي مادة غير متبلورة، موجودة أزلياً، وبشكل مستقل بذاته ككتلة هيولية، قادرة على إعطاء أي شكل أو أي نوع منها. وبالتالي، فالقوة الخالقة هذه تخلق جواهر. فالكينونة بذلك، هي عبارة عن امتلاك لجوهر ما، وبالتالي تعني الوجود بطريقة ما.

فالقوة الخالقة في الفكر الوثني السابق للمسيحية هي بذلك غير كائنة، لكنها عبارة عن كمون نقي صاف للكينونة، للصيرورة شيئاً ما. وبالتالي هذه القوة قادرة على إعطاء جوهر ما، وبالتالي قادرة على خلق شيء ما.

أمّا الوحي المسيحي فيأتي نقياً صافياً، يخاطب قلوبنا لا عقولنا. يغذي أرواحنا لا أفكارنا. لا يعلّمنا فلسفات ولا نظريات، بل يلقننا دروساً روحية تتغلغل في حياتنا، وتفعل منها تجديداً.

إن فهمنا الخلق نقترب من فهم الإنسان ومن فهم الله. ونقترب من طبيعة العلاقة بينهما من جهة، وبين الإنسان وسائر المخلوقات من جهة أخرى.

نقرأ في أفشين التريصاجيون: "من أخرج كل الأشياء من العدم إلى الوجود" (قداس الذهبي الفم). ونقرأ في سفر المكابيين: "إني أحثك يا بنيَ، أن تنظر إلى السماء وإلى الأرض. وأن تأخذ بعين الاعتبار كل شيء تراه هناك. وتأكد أن الله صنعها كلّها من العدم، تماماً كما خلق السلالة البشرية" (2مكابيين7: 28).

لكي نفهم علاقة الله بالعالم الذي خلقه، علينا معرفة ماذا يعني تعبير "من البدء ex nihlio