|
||
|
||
|
َ |
||
|
الغاية من خلق الإنسان: وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وطيور السماء وعلى البهائم وكل الأرض (تك1: 26) (بحسب النص العبراني). وقال الله لنعمل الإنسان بحسب صورتنا ومثالنا (تك1: 26) (بحسب النص اليوناني للسبعينية). فخَلَقَ الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهم (تك1: 27). إن اصطلاح "على صورتنا" أو "بحسب صورتنا" يوحي لأول وهلة وكأن هناك شبهاً بين الله الخالق والإنسان الذي أراد أن يخلقه وخصوصاً أنه يؤكد بكلمته كشبهنا في النص العبراني.. وجلي أن الحديث هنا ليس عن شبه خارجي لله لأن الله بسبب روحانيته المطلقة لا يمكن أن يصور أو يوجد له شبيه. إذن فمعنى "على صورتنا" لا بد أن يشير إلى البعد الروحي للإنسان أي إلى بنائه الروحي الذي يظهر ارتباطه بالله الذي نفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفساً حية (تك2: 7). وفي الواقع فإن
بعض الآباء يجد صورة الله في الإنسان في الطبيعة الواعية والعقلانية (الذهنية
للإنسان) ( لكن إذا تعمقنا أكثر في دراستنا للآباء لوجدنا أن هذه الاختلاف الظاهري بينهم ليس أكثر من تفاوت في التشديد على أهمية النقطة التي كان يشير إليها الآب المعين وليس نفي للنواحي الأخرى التي أشار إليها الآباء الآخرون. فهم متفقون جميعاً بأن "على صورته" هي في الشخص البشري ذاته ككل وإمكانياته ومواهبه الروحية الفريدة التي تؤهله أن يكون سيد الخليقة على صورة من هو السيد المطلق لكل الكائنات. أما على مثاله أو "بحسب مثاله" التي وردت في الترجمة السبعينية فقد وجد فيها الآباء القديسون الكمال الإلهي الذي أراده الله للإنسان أن يسعى متقدماً باستمرار نحوه. وهكذا تصبح على "صورته" الإمكانية الكامنة المعطاة لكل إنسان لتحقيق الكمال بينما "على مثاله" هو التحقيق المتحرك باستمرار نحو الأكمل والذي يعتمد من جهة على موافقة الإنسان وجهاده، ومن جهة أخرى على نعمة الروح القدس المنيرة والمؤلهة. وهنا لا بد أن نشير أن الكاتب عندما أورد قول الله نعمل الإنسان على صورتنا الخ... لم يكن يعني بهذا الإنسان الأول وحده بل الجنس البشري عامة كما أن دعوة آدم وحواء للوصول إلى الكمال والمشاركة في مجد الله لم تكن دعوة لهما وحدهما بل لكل ذريتهما من بعدهما. إن الآباء القديسون يلحون بصورة خاصة على وحدة الجنس البشري ناظرين إلى الطبيعة البشرية كوحدة مستمرة وكاملة في كل واحد من المشاركين فيها. ومع أنها تظهر بالكثرة إلا أنها مع ذلك وحدة دون انقسام لا تزداد بالإضافة ولا تنقص بالأخذ. من أقوال القديس غريغوريوس النيصصي العديدة في هذا الصدد: "في خلق الإنسان الأول كل البشرية...تضمنت". أساس هذه الوحدة هو مساهمة البشر في الصور الإلهية. وهكذا لا يوجد فرق بحسب الجوهر بين آدم الإنسان الأول وخلفائه لأن كل البشر بغض النظر عن الزمان والمكان يحملون في أنفسهم الصورة الإلهية.
كيف خلق الإنسان: يعلمنا سفر التكوين أنه بعد خلق الله لجميع المخلوقات الأخرى من نباتات وحيوانات، خلق أخرها الإنسان وهو أكملها جميعاً... ولم يخلقه كغيره بمجرد كلمة خالقة تفعل في الأرض أو في المياه بل عبر عنايته مباشرة شخصية خصه بها وحده. مع أنه الإنسان المجبول من مواد الخليقة ذاتها التي سبق أن خلقها سابقاً ودخلت في تركيب جميع الكائنات المنظورة الأخرى. ولذلك لا عجب أن يكون هناك تشابه بينه وبينها، وخاصة بينه وبين الحيوانات العليا التي سبقته في الوجود وذلك بسبب وحدة الأساس الذي عمله الخالق لنظام الحياة العضوية والذي هو قابل للنمو في كل أنواعها سواء في صورتها العليا أو الدنيا. كما أن القول عن آدم: "أما لنفسه فلم يجد معيناً نظيره" (تك2: 20) فهذا تلميح إلى اكتشاف آدم لنقص ما في كيانه. ولهذا فخلق حواء من إحدى أضلاع آدم يشير بصورة جلية إلى وحدة الأصل بينهما وحاجة كل منهما إلى الآخر كي يكتملا: هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي... لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان كلاهما جسداً واحداً (تك2: 22-24). إلا أن العناية
المباشرة التي خص بها الله الإنسان والتي عبّرت عنها صور كثيرة مثل: "نعمل
الإنسان على صورتنا، جبل تراباً، نفخ في أنفه نسمة حياة، غرس جنة الخ...". فهي
تظهر بوضوح المعنى السامي للإنسان ملك الخليقة، ومكانته الفريدة في العالم كصلة
وصل جامعة بين العالمين المادي والروحي. إنه الإنسان الذي حسناً وصفه الآباء
بالعالم الصغير
وبدون شك فإن ما يميز الإنسان بصورة جذرية عن الحيوان هو نفخة الله الخاصة والتي جعلته نفساً حية، أي نوعية طبيعته الخاصة والتي هي على صورة الله. التشديد هنا ليس على وجود ثنائية متضادة ما بين نفس وجسد أو ثلاثية جسد ونفس ورح كما كان يعتقد بعض فلاسفة الإغريق القدماء بل على العكس التأكيد على وحدة طبيعة الإنسان الجسدية الروحية والتي تجعل الإنسان فريداً ليس فقط بالنسبة للخلائق المنظورة بل وبالنسبة للخلائق غير المنظورة أيضاً أي الملائكة. العناصر المكونة للطبيعة البشرية: استُعمِلت في الكتاب المقدس عدة كلمات لتدل على طبيعة الإنسان البشرية ومكوناتها إلا أن كلاً من هذه الاصطلاحات تأخذ معانٍ عديدة بحسب الموضع الذي وردت فيه. لهذا يجب الانتباه إلى اختلاف مفاهيم الكتاب المقدس عامة عن المفاهيم الفلسفية اليونانية من جهة وإلى المدلول الخاص لكل من هذه الاصطلاحات والذي يختلف من مكان غلى آخر من جهة أخرى. فيما يلي سوف نستعرض بعض هذه الاصطلاحات وأهم المعاني التي تأخذ:
بناء على الآيات التي قدمت أعلاه واستناداً إلى المفهوم الآبائي لها يمكننا الوصول إلى النتائج التالية:
رأي الكنيسة في النظرية الثلاثية: على الرغم مما أوردناه أعلاه، فإن تعليم الكنيسة حول العناصر المؤلفة للطبيعة البشرية عبر عنه في بعض الأوقات بما دعي بالنظرية الثلاثية والتي ترجع إلى الفيلسوف أفلاطون ومن ثم أخذها عنه الغنوسيون... بحسب هؤلاء يتألف
الإنسان من: إن تعاليم أفلاطون والغنوسيين هذه تسربت إلى بعض الكتّاب الكنسيين الميالين للفلسفة في القرون الأول مثل تاتيانوس الذي تبنى النظرية الثلاثية بالكلية، وجوستينوس وكليمنضوس الاسكندري وديديموس الأعمى الذين بالرغم من ميلهم إلى النظرية الثنائية عبروا أحياناً بالنظرية الثلاثية. كما ينبغي أن نضيف بأن النظرية الثلاثية استخدمت من بعض الهراطقة مثل أبوليناريوس الذي اتخذ النظرية الثلاثية لأفلاطون جذوراً لهرطقته إذ ادعى بأن الكلمة الإلهي المتجسد اتخذ فقط جسداً إنسانياً ونفساً حية أما النفس الروحية أو العاقلة فقد حلّ محلها الكلمة الإلهي. ولذا هاجمه الآباء وحكمت عليه المجامع اعتبار من المجمع المسكوني الثاني لأنه جعل الطبيعة البشرية التي اتخذها الإله المتجسد ناقصة. وهذا يتناقض مع الخلاص الذي تممه المخلص بالنسبة لكامل الطبيعة البشرية. وقد حاول أتباع
النظرية الثلاثية أن يثبتوا نظريتهم بنصوص من الكتاب المقدس فاعتمدوا بصورة
خاصة على النصيين التاليين من رسائل بولس: إلا أن هذه النصوص ولو أنها تبدو لأول وهلة وكأنها توافق النظرية الثلاثية، إلا أنها لا علاقة لها في الجوهر معها، لأن روح ونفس هنا لا تشيران إلى مبدأين أو طبيعتين مختلفتين في الإنسان بل إلى وظيفتين في طبيعة واحدة والتي هي الطبيعة بحسب قواها ومواهبها العليا. وأكبر دليل على ذلك هو في النص الثاني والذي يذكر به المفاصل والمخاخ والقلب... فهذه كلها أعضاء في الجسد وليس كل منها عنصراً أساسياً مكوناً للطبيعة البشرية. هكذا أيضاً فالنفس والروح ليستا سوى وجهين أو وظيفتين للعنصر واحد. وغالباً ما تشير الروح إلى النفس السامية، النفس المتحدة بروح الله والمتمتعة بكل المزايا الناتجة عن حياة الروح مثل استنارة الذهن، الحكمة والفضائل. من هنا فتعبير "نفسانيون لا روح لهم" الواردة في رسالة يهوذا يشير خاصة غلى نفوس الذين لا تأثير للروح القدس عليهم بل يخضعون لقوى طبيعتهم الفاسدة بسبب الخطيئة، وليس عندهم ولادة جديدة. هذا التعبير ذاته "نفساني" يرد عند القديس بولس (1كو2: 14) كوصف للإنسان العائش بحسب الجسد وغير المستنير بالذهن بواسطة الروح، لأنه لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة. وأكبر تأكيد على هذه الفكرة الأخيرة هو قول بولس الرسول: "صار الإنسان الأول نفساً حية وصار الإنسان الثاني روحاً محيية" (1كو15: 45). في مكان آخر من نفس الرسالة يرد هذا التعبير: "يزرع جسماً نفسانياً ويقام جسماً روحانياً" (1كو15: 44) وذلك للتمييز بين جسمنا الحالي الخاضع للفساد والموت والألم والهوان وبين الجسم الآخر الذي سيكون ممجداً وروحانياً بعد الموت أي غير قابل للفساد والألم بقوة قيامة آدم الثاني الروح المحيي، الرب من السماء. اعتقاد بعض
الهراطقة بفناء النفس بعد الموت والرد عليه: إن استعمال الكتاب المقدس لتعابير
نفس وروح كحياة مشتركة بين جميع الكائنات الحية بما فيها الإنسان أو كتعبير عن
الشخص البشري ككل أو عن الذات، بالإضافة إلى مفاهيم أخرى أحادية الجانب لكلمتي
من هؤلاء المبتدعين في عصرنا الحديث السبتيون وشهود يهوه الذين يدعون بأن نفس الإنسان غير روحية وتفنى بالموت فناء نفس البهائم. وبالطبع فهم يستفيدون أيضاً من هذا الادعاء لكي يدعموا به زعمهم بعدم جدوى صلوات الكنيسة من أجل الموتى. تأكيداً لما ورد أعلاه بصدد بقاء النفس بعد الموت من آيات نضيف باختصار ما يلي:
1-
هناك شعور عام بوجود حياة ما بعد الموت: "وسار اخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله
أخذه" (تك5: 24). لجؤ شاول إلى امرأة صاحبة جان لكي تصعد له روح صموئيل (1صم28:
11-19). "وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من نار وخيل من نار ففصلت بينهما
فصعد ايليا في العاصفة إلى السماء" (2مل2: 11). "تخرج روحه فيعود إلى ترابه"
(مز146: 4). "فيرجع التراب إلى الأرض كما كان وترجع الروح إلى الله الذي
أعطاها" (جا12: 7). "وبعد أن يفنى جلدي هذا وبدون جسدي أرى الله" (أي19" 25،
26).
يتأكد الإيمان بحياة النفس بعد الجسد من الدلائل التالية: 1-
ظهور موسى وإيليا في تجلي يسوع: "وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وإيليا،
اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيداً أن يكمله في أورشليم" (لو9:
30، متى17: 3 إلخ...).
النظريات اللاهوتية المتعلقة بتكاثر النفوس: بالنظر لغياب تعليم واضح في الإعلان الإلهي حول تكاثر نفوس الأجساد التي توالدت من آدم، فقد ظهرت نظريات لاهوتية عديدة بهذا الشأن أهمها:
أصل الجنس البشري: لقد لاحظنا سابقاً الأهمية التي تعلقها الكنيسة بلسان آبائها على وحدة الجنس البشري، ولا شك بأن هذه الوحدة ترتبط بصورة وثيقة مع وجود رجل وامرأة فقط انحدر منهما الجنس البشري كله بناء على البركة التي أعطاهما إياها للتكاثر. إن الاعتقاد بوحدانية أصل الجنس البشري يؤكده الكتاب المقدس بكل وضوح (تك2: 5، تك3: 20، تك2: 20 إلخ...) وترتكز عليها عقائد مهمة مثل وحدانية أصل الخطيئة بآدم الألو ووحدانية الخلاص بالمسيح، "لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح يحيا الجميع" (1كو15: 22). لذا فالنظريات اللاهوتية التي تقبل بوجود أناس آخرين غير الجدين الأولين انحدر منهم الجنس البشري تتعارض مع وحدة هذا الجنس ومع المفهوم الكتابي للخلاص. وهي تستند على فهم مغلوط لبعض الآيات الكتابية أو على بعض الملاحظات الخاطئة والبعيدة عن الموضوعية العلمية مثل تنوع الأجناس البشرية، واختلاف ألوانها وأشكال جماجمها وكفاءاتها وعقلياتها إلخ.... الدراسة العلمية الصحيحة ترجع أسباب الاختلافات الظاهرية بين الأجناس البشرية إلى اختلاف أوضاع الحياة تحت ظروف بيئية متنوعة وخصوصاً في القديم حيث كانت وسائل الاتصال بين القارات البعيدة شبه معدومة.أما الوحدة الجوهرية للجنس البشري فتثبتها إمكانية الزواج والإنجاب الدائمة بين أفراد من مختلف الأجناس البشرية، وتماثل العقلية البشرية في تركيبها الأساسي. كما أن الأبحاث في مجال اللغات تنقص أكثر فأكثر عدد اللغات الأصلية التي نشأت منها اللغات الأخرى لدرجة أنه صارت مرجحة إمكانية وجود لغة أصلية واحدة. في حين أن التقاليد والاعتقادات الدينية المختلفة للشعوب تقترب أكثر فأكثر من الإيمان بإله واحد كلما كانت أقدم. كل هذه الأمور بالإضافة إلى رجحان احتمال انتشار البشر إلى كل الأرض من قارة آسيا تدعم الحقيقة المعلنة في الكتاب بشأن الجنس البشري.
نظرة الكنائس الثلاث إلى حالة
الإنسان الأصلية: لذلك يعتقد الكاثوليك والبروتستانت أن حالة الإنسان الأصلية قبل السقوط كانت كاملة كمالاً غير متطور، وإن تناقضاً فيما بينها في كيفية هذا الاعتقاد، يبتعدان كلاهما عن المفهوم الآبائي ويقصران في إدراك سمو الدعوة التي شرّف الله الإنسان بها، وبالتالي يشوهان مفهوم سقوطه وخلاصه وتألهه.
خلق الله الإنسان بحالة كمال تام، ولكن هذا لم يكن وضعه الطبيعي بل ما فوق الطبيعي، إذ تمتع بمواهب تفوق الطبيعة كالقداسة والبرارة التي كان مزيناً بها من خلال مواهب السلامة الأربع التالية، والتي تفوق الطبيعة أيضاً.
هكذا كان يستطيع
الإنسان قبل سقوطه أن يوفق بين المحسوس وغير المحسوس وأن يخضع قواه السفلى
للعليا وبواسطة الأخيرة لله، وأن يتغلب على الموت، ليس بواسطة إمكانياته
الطبيعية بل فقط بواسطة النعمة الفائقة الطبيعة التي اختفاؤها بالخطيئة جلب عدم
خضوع الجزء الأسف للأعلى وبالتالي للموت. يعتمد اللاهوتيون الكاثوليك في تبريرهم لهذا الموقف على القول بأنه لو اعتبرنا أن البرارة الأصلية كانت تخص طبيعة الإنسان نفسها، ولم تكن عطية تفوق الطبيعة لوصلنا بالضرورة إلى قبول الحلولية أي ألوهية الإنسان بالطبيعة. واضح أن هذا التبرير ينطلق من اعتبار أن هناك كما واحد في الوجود هو كمال الطبيعة الإلهية، ولذلك لا يمكن للطبيعة المخلوقة أن يكون عندها هذا الكمال وإلا أصبحت طبيعة إلهية. إذن لكي يتجنب القول بالحلولية صار هذا التقسيم الغريب عن تعليم الكتاب المقدس والآباء، ما بين جزء طبيعي أعطي بالخلق، وآخر يفوق الطبيعة أضيف بواسطة النعمة الإلهية لكي يكمل نقص الطبيعة البشرية. والواقع أن الآباء ميّزوا دائماً، وبشكل جذري، بين الطبيعة الإلهية غير المحدودة وغير المدركة وبين الطبيعة البشرية المخلوقة والمحدودة، وبالتالي بين كمال الأول المطلق وكمال الثانية النسبي. بناء على هذا الأساس فالطبيعة البشرية خلقت كاملة كطبيعة مخلوقة ولكنها مدعوة لأن تصبح كاملة على مثال الطبيعة الإلهية. من هنا فالكمال المدعوة إليه بمساعدة الطبيعة الإلهية هو لا نهائي وطريقها إليه هو بدون توقف وبلا حدود. أخطر ما في النظرة الكاثوليكية إذن، أنها تفقد الإنسان هذه الدعوة الإلهية له للكمال اللانهائي، وتسحب منه دوره الشخصي في تحقيقه، والمشاركة في تقرير مصيره ووجوده، وبالإضافة إلى أنها تستدعي سلسلة من النتائج المضادة المستغربة:
تقف البروتستانتية على طرف النقيض الآخر من الكاثوليكية في نظرتها إلى الحالة الأصلية للإنسان إذ تجعل كمال هذه الحالة كله ناتجاً عن طبيعة الجد الأول المخلوق على صورة الله. وهكذا، وبفضل المشابهة مع الله، فكل ما تمتع به الإنسان في الفردوس نشأ عن تركيبه الطبيعي. إن الوجه الإيجابي للمفهوم البروتستانتي يكمن في إرجاع البرارة الأصلية إلى طبيعة الإنسان وليس إلى شيء مضاف له. أما الوجه السلبي له، فهو اعتباره أن الإنسان كل باراً وقديساً بالخلق وبالتالي فلم تكن عنده حاجة للنعمة في الحالة الفردوسية. هنا نتساءل عن معنى عناية الله الخاصة للإنسان في الفردوس، ألا تفترض هذه العناية بأن آدم وحواء كان عندهما طريقاً طويلاً ليقطعاه باتجاه الكمال والقداسة؟. المقارنة مع الملائكة ومع آدم الجديد تدعم هذه الفكرة، لأن الملائكة لم يدخلوا مرة واحدة في حالة كمالهم الأخلاقي بل بالتدريج وبعد عبورهم التجربة. في حين أن الرب يسوع كإنسان، وبالرغم من وحدة طبيعته البشرية مع الإلهية، كان في حداثته، كما يقول الإنجيلي لوقا: "يتقدم في الحكمة والسن والنعمة عند الله والناس" (لو2: 52). فضلاً عن هذا، فالمطابقة بين الصورة والمثال في الإنسان ورفع الحالة الطبيعية للإنسان الأول إلى الكمال كحقيقة تامة، تجعل المفهوم البروتستانتي غير قادر أن يبرر إمكانية السقوط عند الإنسان الموجود في حالة كمال. وهكذا يصبح السقوط غير قابل للتفسير لا عند البروتستانت ولا عند الكاثوليك.
بناء عليه فحالة البرارة الأصلية لم تكن كمالاً طبيعياً ناتجاً عن قوى الإنسان
النفسية والجسدية كما هي الحال عند البروتستانت ولا فعل مجموعة من الهبات ما
فوق الطبيعة المضافة لطبيعة الإنسان، كما عند الكاثوليك، بل هي، كما عند الآباء
والمفهوم الأرثوذكسي، حالة من الكمال الذي يستطيع أن يمتد نحو الأكمل والناتجة
عن المشاركة ما بين قوى الروح القدس المحيية والقوى الطبيعية للإنسان، أو هي
بحسب تعابير الآباء
هذا المفهوم الآبائي لحالة الإنسان الأصلية يرتكز بصورة أساسية على فكرة القصد الإلهي من وجود الإنسان أي دعوته للكمال والتي يؤيدها بوضوح الإعلان الإلهي وخاصة في العهد الجديد الذي نفهم على ضوئه العهد القديم. وعلى الأخص من خلال صورة آدم الجديد الذي كان ينتظر أن يصير على مثاله آدم القديم. ففي العهد الجديد هدف وجود الإنسان النهائي هو الكمال والقداسة (كولو1: 28، 4: 12، 1تس4: 3، عبر12: 14، يع1: 4، 2كو7: 1). على مثال الله الكامل (متى5: 48، افسس5: 1، كولو3: 10، 1بط1: 15، 1يو3: 2). أي أن يتشكل على صورة المسيح (رو8: 29، 1كو2: 16، 15: 49، 2كو3: 18، غل2/ 20، 4: 19، افسس4: 13) ليس فقط أخلاقياً بل وجسدياً (فيل3: 21)، وهكذا لكي يرى الإنسان الكامل الله (2كو4: 6/ 12: 14، 1يو3: 2) لأن قداسة الإنسان هي إرادة الله (1تس4: 3، 1بط1: 15-16) ورباط الكمال هو المحبة (كولوسي3: 14). أما بخصوص الخلود فالإنسان في حالته الأصلية لم يكن خالداً، لأنه بطبيعته غير خالد كونه مخلوقاً من العدم، لكنه كان يشترك بالحياة بحسب قوة الله غير المخلوقة الخالقة والمعتنية، ولم يكن ممكناً أن يصبح هذا الاشتراك المحيي دائماً إلا إذا تحقق كمال الإنسان الأخلاقي على صورة ومثال من هو بلا نهاية ولا حدود، لأن الكامل أخلاقياً وحده يمكنه أن يحصل على الحياة الأبدية. على ضوء ما تقدم نستطيع أن نفهم كلمة السيد: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد لكنهم لا يستطيعون أن يقتلوا النفس" (متى10: 28)، لأن النفوس التي أحياه الرب باتحاده معها لا تخضع للموت أي الانفصال عن قوة الروح المحيية بل بالعكس دائماً تتجدد حسبما يؤكد بولس الرسول: "بل وإن كان إنساننا الخارج يفني فالداخل يتجدد يوماً فيوماً" (2كو4: 16). وهكذا أيضاً نستطيع أن نؤكد أن خلق الله الكامل للإنسان في حالة قابلة للتطور ولكمالات أخرى، لا يتناقض مع كمال الله ولا مع كمال الإنسان، لأن الله بالفعل خلق الإنسان في غاية الإتقان والكمال في الحالة التي خُلق فيها: "ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً" (تك1: 31). هذا الكمال بحسب الرؤيا الأرثوذكسية هو بالضبط الإمكانية الكاملة للإنسان أن يتطور وأن ينمو ذاتياً ساعياً نحو الكمال اللانهائي، وهكذا يكون مسؤولاً هو عن بناء وتكوين شخصيته التي لا يمكن أن تبنى إلا بمشاركة الشخصية مع القوى الإلهية في اكتسابه بطاعة وتواضع للمحبة الكاملة نحو الله والقريب وبالتالي للحياة الأبدية. |
||