|
||
|
||
|
لكل جوهر إرادته وفعله: إذاً بما أن للمسيح طبيعتين فإنّ له أيضاً
مشيئتين طبيعيتين وفعلين طبيعيين، وبما أن أقنوم طبيعتيه واحد، فنقول بأن
المسيح ربّنا واحدٌ أيضاً وهو الذي يشاءُ ويفعل طبيعيّاً كلّ ما يشاؤه ويفعله
بحسب كلتا الطبيعتين وانطلاقاً منهما وفيهما. فهو يشاء ويفعل في كلّ من
الصورتين بمشاركة الأخرى، وعلى ما يكون جوهر الأشياء نفسه تكون مشيئة الأشياء
ويكون فعلها أيضاً. وعلى ما يكون تباين جوهر الأشياء يكون تباين الإرادة
والفعل. وبعكس ذلك، على ما هي الإرادة وعلى ما هو الفعل يكون الجوهر نفسه. وعلى
ما هو تباين الإرادة والفعل يكون تباين الجوهر نفسه. مردُّ المشيئة والفعل، تجريداً، للطبيعة وبالواقع، للأقنوم: واعلمْ أنّ الإرادة وكيفية الإرادة ليستا شيئاً واحداً. فإنّ الإرادة مردُّها للطبيعة على نحو ما هو النظرُ الذي ينعمُ به جميع البشر. أمّا كيفية الإرادة فليست مردُّها للطبيعة، بل لحكمنا، على نحو ما هي كيفية النظر، حسنة أم رديئة. فليس كل الناس متساويين في الإرادة وليس كلّهم متساوين في النظر. وهذا ما نسلّم به بشأن الأفعال أيضاً. فإن كيفية الإرادة وكيفية النظر وكيفية الفعل هي طريقة استعمال الإرادة والنظر والفعل المتاحة لمستعملها وحده وهي تميّزه عن غيره على مقتضى التباين المنطقي عموماً. معاني المشيئة ومشتقاتها: يُقال إذاً للمشيئة بالتجريد إرادة أو القوة المُريدة لأنّ تحديدها المشيئة الطبيعية. أمّا كيفية المشيئة أو الواقع تحت المشيئة فيسمّى المراد أو الإرادة الحاكمة، وهي قدرة مريدة للإرادة الغريزية، مثلاً الطبيعة الإلهية هي قدرة مريدة وكذلك الطبيعة البشرية. والمستعمل الإرادة هو مريد وهو الشخص، مثلاً بطرس. المشيئة في المسيح مزدوجة. أمّا كيفيّتها فواحدة: وعليه لمّا كان المسيح واحد وكان أقنومه واحداً، فهو نفسه واحد وهو يريد بإرادته الإلهية وإرادته البشرية. ولمّا كانت له طبيعتان مُريدتان وعاقلتان -لكونهما ناطقتين، فإنّ كل مُريد عاقل هو حرّ- فنقول فيه بأن له إرادتين. وهما إرادتان طبيعيتان. لأنه هو نفسه مريد عاقل بحسب طبيعتيه كلتيهما. فقد اتّخذ القوة المريدة العاقلة الموجودة طبيعياً فينا. وبما أنّ المسيح واحد وإنه هو نفسه المريد في كلٍّ من الطبيعتين، فإننا نقول فيه بأنّ مراده هو هو نفسه، لا على أنه يريد فقط ما يريده طبيعياً بصفته إلهاً -فإن ليس من شأن اللاهوت أن يريد الأكل والشرب وما شاكلهما...- بل إنه يريد أيضاً مقومات الطبيعة البشرية -ليس بمجرد معارضة حكم- بل في مشاركة الطبيعتين. وحينئذٍ يكون قد أراد هذه الأمور إرادة طبيعية، إذا ما شاءت مشيئته الإلهية وأتاحت للجسد أن ينفعل ويعمل ما يختص به.
الإرادة طبيعية في الإنسان: ومن ثمّ يتّضح أنّ الإرادة متواجدة في
الإنسان طبيعياً. وإذا استثنينا الإلهية، فهناك ثلاثة أنواع من الحياة: النامية
والشاعرة والعاقلة. وميزة النامية حركة التغذية والنمو والولادة. ويختص
بالشاعرة الاندفاع إلى الحركة. وميزة الناطقة والعاقلة الحرّية. إذاً فإذا كان
بموجب الطبيعة أنّ الغاذية تتواجد في النامية، والاندفاع إلى الحركة يتواجد في
الشاعرة، كم بالأحرى إذاً أنه بموجب الطبيعة أيضاً أن تتواجد الحرية في الناطقة
والعاقلة. والحرية ليست سوى الإرادة. وعليه لمّا صار الكلمة جسداً حياً عاقلاً
وحرّاً، صار أيضاً ذا إرادة. ما الحرية إلا الإرادة
نفسها: وأيضاً لمّا كان الإنسان قد خُلق على صورة اللاهوت السعيد الفائق
الجوهر، ولمّا كانت الطبيعة الإلهية حرّة بالطبع ومريدة، فإن الإنسان إذاً -بما
أنه على صورته- هو أيضاً حر ومريد بالطبع. والآباء قد حدّدوا الحرية بأنها
الإرادة. أيضاً -وكما يقول الآباء-:
لو كانت مشيئة المسيح واحدة لكان الجوهران واحداً ولكانت مشيئة لاهوت المسيح
واحدة مع مشيئة ناسوته. إذاً لكان أيضاَ جوهرهما نفسه واحداً. أضف إلى ذلك أنه -كما يقول
الإنجيلي الإلهي- إذا كان الرب "ذهب إلى تخوم صور وصيدا ودخل بيتاً ولم يرد أن
يعلم به أحد فلم يقدر أن يستتر" (مرقس7: 24)، ذلك أنه لو كانت مشيئته إلهية
لكان قادراً على كل شيء، ولكن -بما أنه شاء أن يستتر ولم يقدر- فيتحتم أنه، من
حيث هو إنسان، شاء ولم يقدر، وأنه هو مريدٌ أيضاً من حيث هو إنسان. طاعة المسيح دليلٌ على إرادته وخضوعه: ويقول المغبوط بولس: "وصار مطيعاً، ومطيعاً حتى الموت، موت الصليب" (فيلبي2: 8). فالطاعة هي الانقياد التام أو غير التام. والذي لا نطق له ليس مطيعاً، ولا يدخل في عداد المطيعين. وقد كان الرب مطيعاً للآب، ليس بصفته إلهاً بل بصفته إنساناً. فهو -بصفته إلهاً- ليس مطيعاً ولا غيرَ مطيع. وعلى ما قله غريغوريوس اللابس الله: "إن هذه الأمور تختص بمن هم تحت يد غيرهم". فالمسيح إذاً بصفته إنساناً. الإرادة الطبيعية حرةٌ: وبقولنا إرادة طبيعية لا نعني بأنها مسيَّرة بل هي حرّة، لأنها لمّا كانت ناطقة فهي حتماً حرّة. فليست الطبيعة الإلهية غير المخلوقة فقط غير مسيّرة، ولا كذلك الطبيعة المخلوقة. وهذا واضح. فكون الله صالحاً بالطبع وخالقاً بالطبع وإلهاً بالطبع، هذا كلّه ليس بالاضطرار. ومَن يا تُرى يكون مسيِّرُ الاضطرار؟ الحرية في الله شيءٌ وفي الملائكة شيءٌ آخر وفي البشر شيءٌ آخر: واعلمْ بأنّ الحريّة متساوية اسماً ومختلفة فعلاً. فهي في الله غيرُها في الملائكة وغيرُها في البشر. هي في الله تفوق الجوهر وهي في الملائكة تجاري سرعتهم التنفيذية التي لا يتخلّلها زمن مطلقاً. وبما أنّ الحريّة طبيعية فيهم، فهم يمارسونها بلا عرقلة لا من نفور الجسد ولا من مقاومته. أمّا في البشر فسرعة تنفيذ الحريّة تتطلّب وقتاً للتفكير، لأن الإنسان حرّ والحريّة فيه طبيعية وفيه أيضاً دافعٌ من الشيطان وفيه حركة الجسم. فإذاً بسبب هذا الدافع وبطء الحسد يتأخر التنفيذ عادةً. لماذا وجب أن يتخذ الكلمة
الإرادة البشرية الحرّة: إذا كان آدم قد شاء فأطاع وقد شاء فأكل، فيكون إذاً
بدءُ الداء فينا من المشيئة. وإذا كانت المشيئة هي المتألمة الأولى فينا وكان
الكلمة -في تجسده- لم يتخذها مع الطبيعة، نكون نحن إذاً لم نصر في معزل عن
الخطيئة. لا يمكن تأليف مشيئة تكون إلهية وبشرية معاً: لا يمكن الكلام عن شيء واحد يكون مركباً من مشيئتين ويشابه أقنوماً مركباً من طبيعتين، ذلك أولاً لأنّ التركيب يصير من كائنات قائمة في ذاتها، وليس ممّا هي تشاهد في غيرها، لا في ذاتها. ثانياً إذا تكلّمنا عن تركيب في المشيئتين والفعلين، فنضطر إلى التكلم عن تركيب في كل من الخواص الطبيعية: في غير المخلوق والمخلوق، في غير المنظور والمنظور، وما شاكل ذلك... وكيف يا ترى نُسمّي المشيئة المركّبة من مشيئتين؟... فإننا لا يمكنّا أن نطلق عليها اسم ما هو مركّب منهما! وإلا فإنّنا نحمل أيضاً بذلك على تسمية المركب من طبيعتين: طبيعة ولا أقنوم! أما إذا قلنا أيضاً بمركّبٍ واحدٍ في المسيح، فنحن نفصله بذلك عن مشيئة الآب، لأنّ مشيئة الآب ليست مركّبة. بقي علينا أن نقول بأن أقنوم المسيح وحده مركبٌ ومشاعٌ لطبيعتيه ولخواصّهما الطبيعية. في المسيح، لا عزم ولا اختيار سابقان، بالمعنى الحصري: لا يمكن الكلام عن عزم واختيار سابقين في المسيح، إذا أردنا أن نتكلم بحصر المعنى. فإنّ العزم هو جزم بعد البحث عن المجهول والرغبة فيه أو هو بعد مشورة وحكم في موضوع الحكم. ويأتي بعده الاختيار السابق، القائم بتفضيل شيء واتخاذه بدل شيء آخر. أمّا الربُّ فليس هو مجرّد إنسان، بل هو الله أيضاً. وليس هو بحاجة إلى تروٍّ وبحثٍ ومشورة وتمييز، وكان له من طبيعته الخير اختصاصاً وعن الشر بعادٌ. وهذا ما قاله أشعيا النبي: "لأنه قبل أن يعرف الصبيُّ أن يرذل الشرّ ويختار الخير، أي قبل أن يعرف الصبي الخير والشرّ، يبتعد عن الشر ويختار الخير" (أشعيا7: 15) فإن لفظة "قبل أن" تدلّ على أنه لا يبحث ويقرر على طريقتنا، لكن، بما أنه إله، فهو يمنح إلهيّاً التقنّم للجسد. وهذا يهني أنه يتّحد في الجسد بأقنومه. وهو حاصل على الخير بكيانه ذاته وعلى المعرفة كلها. فإنّ الفضائل كلها طبيعية وهي على التساوي في الجميع -ولو كان الجميع لا يفعلون بالتساوي ما هو من الطبيعة-، لأننا بالمخالفة قد سقطنا مما هو بمقتضى الطبيعة إلى ما هو ضد الطبيعة. والربُّ قد قادنا ممّا هو ضدّ الطبيعة إلى ما هو بمقتضى الطبيعة. وهذا هو معنى "على صورته كمثاله" (تكوين1: 26). ومفهوم التقشّف ومشقاته ليس لأجل اقتناء فضيلة دخيلة من خارج، بل لأجل نزع الشرّ الذي هو الدخيل وهو ضدّ الطبيعة. مَثَلُ ذلك مثل الصدإِ في الحديد -وهو ليس فيه طبيعياً- لكن إذا تعبنا في نزع ما حصل عليه من جرّاء الإهمال، فنعيد إليه نظارة الحديد الطبيعية. واعلم أنّ كلمة (عزم
|
||