|
||
|
||
|
ليس من المبالغة القول إن عقيدة "الكتاب المقدس حصراَ" –ترجمة اصطلاحية- هي حجر الزاوية أو العمود الفقري للاهوت البروتستانتي. فكل إنسان يؤمن بتعاليم الإصلاح البروتستانتي (سواء أكان يدعو نفسه بروتستانتياً أو لا) قد بنى فكره اللاهوتي على هذا المبدأ. وأكثر من أية عقيدة أخرى. فإن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" هي التي تعرِّف البروتستانتية. ومثل العقائد البروتستانتية الأخرى، فإن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" تعني أشياء مختلفة لجماعات كنسية بروتستانتية مختلفة. لهذا فمن المستحيل أن نحدّد فهمنا لهذه العقيدة التي يقبلها بشكل شامل جميع البروتستانت في كل مكان. فمن جهة لدينا الإصلاحيون مثل "لوثر" و "كالفن" الذين علّموا أن الأسفار المقدسة هي المصدر الكافي للمعرفة الخلاصية؛ ومن جهة أخرى يوجد إصلاحيون متطرّفون يصرّون على أن الأسفار المقدسة لا تؤلّف فقط المصدر الكافي للتعليم ولكنها أيضاً المرشد الأوحد للعبادة و لحياة الشركة. هكذا حسب هذا النوع من تعليم أو تعريف عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" فإن الكتاب لا يحوي فقط على كل شيء نود أن نعرفه أو يمكن أن نعرف عنه، بل على كل شيء نحتاج أن نعرف عنه. مهما يكن تعريف عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" لدى البروتستانت فإنه يمكننا القول إن كلا التعريفيين يعارضان عزو أية سلطة للتقليد الكنسي. وهكذا فإن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" ليست مجرد تأكيد على الكتاب المقدس بقدر ما هي مجرد تأكيد على رفض التقليد الكنسي وحياة الروح القدس وشهادته في الكنيسة. بمعنى آخر، بما أن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" هي وليدة الحركة المدعوة بالحركة الإصلاحية التي انشقت عن الكنيسة الكاثوليكية، وبما أن هذه الحركة كانت تهدف إلى قطع أية علاقة أو صلة لها بالكنيسة الكاثوليكية من حيث الشكل و المضمون والتعليم، ومن حيث العبادة و العقائد و اللاهوت و التنظيمات الكنسية الإدارية المختلفة، لهذا رفضت هذه الحركة الإصلاحية كل ما يمت بأية صلة من الصلات إلى الكنيسة الكاثوليكية، ولم تقبل سوى بالكتاب المقدس كمصدر أوحد للتعليم. لقد ظن الإصلاحيون أنه بعملهم هذ، بالعودة إلى الكتاب المقدس وحده وقبوله كمصدر أوحد، أنهم يعودون إلى أصل المسيحية وأصل الكنيسة الأولى. ربما كانت غيرتهم صادقة لكن نتيجتها كانت وخيمة. فالشيء المضحك و المثير للسخرية هنا هو أن هذا المبدأ نفسه الذي استعمله الإصلاحيون للعودة إلى نقاوة الكنيسة الأولى لم يكن (هذا المبدأ نفسه) معروفاً في الكنيسة الأولى! فعقيدة أو فكرة "الكتاب المقدس حصراً" هي من اختراع حركة الإصلاح في القرن السادس عشر ولم يذكر أو يؤكد أي أب من آباء الكنيسة أو أي مجمع من مجامع الكنيسة الأولى أن الأسفار المقدسة بحد ذاتها وبدون أية مرجعية للكنيسة هي قاعدة كافية للعقيدة و الإيمان. حتى أن الكتاب المقدس نفسه ينقض عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" كما سنرى. إذ، إن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" الإصلاحية كانت اختراع الإصلاحيين أنفسهم. هذا يعني أنه منذ يوم العنصرة المجيدة وحتى 31 تشرين الأول 1517 أي حوالي 1488 سنة، فإن هذا النوع من اللاهوت الذي يتبجّح به البروتستانت على أنه لاهوت أصيل، لم يوجد قط. بمعنى آخر، إن الكنيسة الأولى التي كان يريد البروتستانت أن يعودوا إليه، كان لها لاهوت مختلف تماماً عن اللاهوت الذي تبنّاه أو اخترعه البروتستانت. وحتى نفهم عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" بشكل صحيح يجب أن نفهم الافتراضات التي تطرحها هذه العقيدة و الرد عليها.
1- الافتراض الأول: الأسفار الإلهية تشهد بنفسها على صحتها
self-authenticating: الرد: إن قانونية كتب العهد الجديد تُعرّف بواسطة استعمالها ضمن الكنيسة خاصة القراءة العلنية في كل مكان و من قبل كل الكنائس. كانت الوظيفة القانونية للأسفار المقدسة في الكنيسة الأولى وظيفة ليتورجية. ففي الاجتماعات الافخارستية، كانت الأسفار المقدسة تُقرأ وتُشرح. ويصف القديس يوستينيانوس الشهيد ليتورجيا يوم الأحد في منتصف القرن الثاني الميلادي ذاكراً أن كتابات الرسل و الأنبياء كانت تُقرأ ثم يلي ذلك موعظة لحضّ المستمعين. تم جمع كتابات العهد الجديد من قبل كنائس محلية لاستعمالها في الخدم العبادية وليس لدراسة الكتاب المقدس الخاصة (بالمفهوم البروتستانتي) لهذ، فضمن الكنيسة كجماعة متعبّدة، كانت تقرأ الأسفار المقدسة وتفسّر. كانت توجد مجموعات مختلفة من الأسفار المقدسة في كنائس مختلفة، وذلك بسبب صعوبة تداول وتبادل هذه الأسفار بين الجماعات الكنسية الأولى، بسبب البعد الجغرافي. ويظن بعض الناس حالياً بصورة ساذجة أنه كانت توحد آنئذ أسفار العهد الجديد الحالية (27 سفراً)، وما كان على الكنيسة سوى أن تجمع هذه الأسفار في مجموعة واحدة تسمّيها العهد الجديد. لكن الحقيقة أنه كانت توجد عشرات و عشرات الكتب أو الأسفار في القرنين الأولين للمسيحية، يحمل بعضها أسماء رسل معروفين لكي يعطيها صفة قانونية أو قبولاً لدى جماعات المؤمنين. لهذا لم يكن من السهل على الكنائس أن تميّز الأسفار المُلهمة من الأسفار الأخرى غير الملهمة. وفي القرنين الثاني و الثالث الميلاديين يقول القديس إيريناوس و كلمندوس الإسكندري و أوريجنس معهما صراحة أنه توجد فقط أربعة أناجيل قانونية أو مقبولة وهي متّى ومرقس و لوقا ويوحن، لأنه كان يوجد عدد أكبر من الكتب التي كانت تسمى أناجيل في ذلك الوقت. إن أول قائمة من أسفار العهد الجديد تطابق القائمة الموجودة حالياً هي الموجودة في الرسالة الفصحية للقديس أثناثيوس الإسكندري (367). أما في الغرب فإن قانون العهد الجديد لم يتم البت فيه إلا في مجمع قرطاجة (379). هكذا إذن، في القرون الثلاثة الأولى من المسيحية لا يمكن للمرء أن يشير إلى قانون واحد مقبول في كل مكان، سواء للعهد القديم أو للعهد الجديد. فإذا كانت الأسفار القانونية حقاً ذاتية الشرعية أو الأصالة و تشهد لنفسها بنفسه، فلماذا استغرقت الكنيسة الأولى ثلاثة قرون لتعرّف أسفاراً هي، بحسب الإصلاحيين، تشهد على صحتها بنفسه، وتعرّف عن نفسها بنفسها وذاتية الوضوح؟ أيض، من قال للإصلاحيين في القرن السادس عشر إن الكتاب المقدس الذي كان بين أيديهم هو الكتاب المقدس؟ ومن حفظه طيلة 16 قرناً آنئذ وما يزال يحفظه الآن وإلى الأبد؟ أليست هي الكنيسة التي يحاربون تقليدها وآبائها و قديسيها وشهدائها و رسلها؟ (26). 2- الافتراض الثاني:
الأسفار المقدسة تفسّر ذاتها بذاتها:
الرد: لقد أظهر أينشتاين أن المراقب هو جزء لا
يتجزأ (أو موروث) من أية ملاحظة علمية. ولا يوجد شيء على الإطلاق هو
موضوعي 100%. إن كانت هذه حقيقة بالنسبة للعالم الطبيعي فكم بالحري هي
حقيقية أكثر بالنسبة لتفسير نصوص الكتاب المقدس. فالنصوص لا توجد في
المطلق. ومع ذلك فهذا ما تفترضه عقيدة "الكتاب المقدس حصراً": النص
المجرد أو العاري يجب أن يفرض معناه على القارئ بطريقة ما.
الأسلوب الأول: اقرأ الكتاب حرفياً،
فالمعنى واضح: هذا هو أول أسلوب استعمله الإصلاحيون
المنشقّون عن الكنيسة. لكنهم سرعان ما اكتشفوا نواقص هذا
الأسلوب. ومع ذلك ما زال الأسلوب الشعبي الساذج الأول بين
البروتستانت: "الكتاب يقول ما يعني ويعني ما يقول". طبعاً
هذا الأسلوب جذاب وبسيط ولهذا فهو شعبي. أما عندما يقرأ
البروتستانت بعض النصوص التي يختلفون فيها عن سواهم،
فتراهم فجأة يثبون قائلين: "ليس المقصود هنا هكذا. لا
يمكنك الأخذ بهذا النص بصورة حرفية"!. مثلاً: إعطاء سلطان
الحلّ والربط للرسل (يو20: 22-23)؛ جسد المسيح مأكل حقيقي
ودمه مشرب حقيقي (يو6: 55)؛ إلخ. لو كان هذا الأسلوب أسلوباً علمياً، أي حيادياً موضوعيا، لكان قد توصّل إلى النتائج نفسها دائماً مهما كان الذي يطبّق هذا الأسلوب (صفة الموضوعية وصفة الثباتية والتكرارية). ولكن ويا للأسف ليس الحال هكذا، لأن النتائج مختلفة باختلاف الذين يطبّقون هذا الأسلوب وباختلاف طرق التطبيق. فالوضع البروتستانتي الممزّق ما زال على حاله. والخلافات التفسيرية موجودة بين علماء الكتاب المقدس البروتستانت أنفسهم حتى بين الذين يدّعون النزاهة العلمية. والسبب هو أن هذا الأسلوب هو أسلوب علمي في مجالات مختلفة إلا في مجال الكتاب المقدس، وأيضاً لأن كل عالم بروتستانتي (أو غير بروتستانتي) كتابي يمارس عمله ضمن إطار من التقليد الكنسي أو الفكري أو الفلسفي الذي ينتمي إليه (المراقب جزء من الجدث). لهذا، فكل عالم كتابي يقدم دراسته انطلاقاً من بديهيات وفرضيات في خلفيته الفكرية والثقافية والروحية. أوضح مثال على هذا هو ما ذكرته في معاني المعمودية للمسيحين الأولين . يوجد أمامي كتابان كل منهما معنوَن "المعمودية في العهد الجديد". مؤلف الكتاب الأول عالم كتاب مقدس مرموق جداً وبروتستانتي، وهو أوسكار كولمان (30). مؤلّف الكتاب الثاني (31) عالم كتاب مقدس مرموق جداً وبروتستانتي (معمداني)، وهو G.R.Beasley-Murray. إذاً يتساوى الأول والثاني من حيث التصنيف العلمي والإيمان مبدئياً. لكن من يقرأ الكتابين يستنتج بسهولة أن معمودية الأطفال، بحسب العهد الجديد، كانت تُمارس أيام العهد الجديد بحسب دراسة الأستاذ كولمان، ولم تكن تُمارس أيام العهد الجديد بحسب دراسة المؤلف الثاني! الدراستان مبنيتان على الكتاب المقدس، فأين الحقيقة إذاً؟ من الواضح أن الأستاذ الإنكليزي أخضع دراسته "العلمية" ليدعم وجهة نظر كنيسته (المعمدانية) من معمودية الأطفال. من هنا نستنتج أن نصوص الكتاب المقدس وحدها لا تكفي في كثير من الأحيان بحسب إدعاء الطريقة "العلمية"، ولا بد من الاحتكام إلى تعليم الكنيسة على مرّ العصور. البروفسور المشهور J.Jeremias، وهو عالم كتابي بروتستانتي أثبت أن الكنيسة كانت تعمّد الأطفال في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية وذلك بناء على شهادات غير مباشرة من العهد الجديد ومباشرة من تاريخ الكنيسة الأولى (32). ولهذا فالاحتكام إلى تقليد الكنيسة (في مثال المعمودية هذا) كان الوسيلة الوحيدة لتفسير موقف العهد الجديد والكنيسة الأولى من معمودية الأطفال.
3- الافتراض الثالث: الكتاب
المقدس هو جواب لكل شيء: الرد: يفترض هذا التعليم أن الكتاب يحتوي على كل التعليمات الضرورية للمسيحي. لكن نظرة واحدة مُقارنة بين العهد القديم والعهد الجديد تُظهر لنا أن أسفار العهد القديم كانت أسفار عبادية تصف بصورة دقيقة أموراً طقسية متعلقة بأماكن العبادة وبطرق ممارستها، إلخ؛ بينما لا يوجد شيء من مثل هذا في العهد الجديد على الإطلاق. مثلاً، لا توجد تعليمات خاصة بالعبادة في العهد الجديد، وإنما توجد تلميحات كيف أن المسيحيين الأولين كانوا يجتمعون "في أول الأسبوع" للعبادة (أع 20: 7) بدون تفاصيل أخرى. وأيضاً لا توجد تفاصيل عن كيفية الاحتفال بسر الشكر الإلهي (الافخارستيا). قال الرب يسوع "اصنعوا هذا لذكري" (لوقا 22: 19). لكن لا كتبة الأناجيل ولا القديس بولس يسجّلون معلومات إضافية أخرى عن كيفية ممارسة الافخارستيا. لقد أُخبرنا في أعمال 20: 7 أن المسيحيين الأوائل كانوا يجتمعون في أول أيام الأسبوع ليكسروا الخبز، ولهذا فمعظم الإصلاحيين الحاليين يأخذون هذه المقولة على أنها فرض. فمعظمهم يحتفل بما يشبه سر الشكر الإلهي ظاهرياً (أو عشاء الرب) مرة كل شهر أو مرة كل سنة بحسب الفئة البروتستانتية! أيضاً ما يُخبرنا به القديس بولس في 1كورنثوس عن الافخارستيا إنما عبارة عن تصحيح لما كانت تمارسه كنيسة كورنثوس بدون أن يُخبرنا عن أية تفاصيل أخرى. كانت رسائل بولس في معظم الأحيان رسائل ظرفية مكتوبة لأشخاص معينين أو لكنائس معينة في أوقات معينة ولأسباب معينة. إن غياب التفاصيل بما يتعلق بالافخارستيا والأمور الأخرى (كالصوم والصلاة) هو بالضبط ما نتوقّعه في رسائل ظرفية كهذه. وبالطبع ليس هذا ما كنا سنتوقّعه لو كنا نعتبر العهد الجديد هو المرشد الشامل والوافي للحياة المسيحية بكل جوانبها، أو لو كان كتبة أسفار العهد الجديد أنفسهم قد وضعوا نصب أعينهم هذا الهدف من كتابتهم لهذه الأسفار. لنأخذ مثلاً موضحاً عن المعمودية. فالفئات البروتستانتية المختلفة بأنواعها كلها تأخذ بالكتاب المقدس على أنه المصدر الوحيد والكافي للتعليم لديها. لكن نظرة واحدة على تعاليم هذه الفئات عن المعمودية تُرينا اختلافات جذرية فيما بينها. فالبعض يؤمن بالمعمودية كمجرد رمز والآخر كمجرد طقس يمكن الاستغناء عنه. البعض يمارس المعمودية بالرش، والبعض الآخر بالتغطيس والبعض الآخر يسكب المياه على المعتمد. البعض يقول بمعمودية البالغين حصراً، والآخر بمعمودية الناس من كل الأعمار بما في ذلك الأطفال. البعض يمارس المعمودية باسم الثالوث القدوس والآخر باسم يسوع المسيح. البعض يؤمن بالمعمودية لمغرفة الخطايا والآخرون بمعمودية للتوبة لا تغفر الخطايا. كل فئة من هذه الفئات البروتستانتية تحاول جاهدة أن تستشهد بالكتاب المقدس لتدل على صحة تعاليمها المتعلقة بالمعمودية. ألعلَّ سبب هذه الخلافات الجذرية حول المعمودية بين الفئات البروتستانتية هو في الكتاب المقدس نفسه، أم في طريقة تفسيره من قبل هذه الفئات التي لم تلجأ إلى تقليد الكنيسة وممارستها وفهمها للمعمودية منذ القرون الأولى المسيحية؟ بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية، إن أي مفهوم للمعمودية (على سبيل المثال هنا) لا يمكن أن يؤخذ بصورة حصرية من الكتاب المقدس ما لم يُقارن هذا اللاهوت مع ما فهمته ومارسته الكنيسة المسيحية عبر العصور الأولى وحتى يومنا الحالي. (يمكن مراجعة الموضوعين المتعلقين بمعاني المعمودية للمسيحيين الأولين وبمعمودية الأطفال). يمكننا القول هنا: إن كانت الكنيسة المسيحية منذ الأيام الأولى للمسيحية وحتى يومنا الحالي تؤمن بأن المعمودية هي الولادة الجديدة وهي دفن مع المسيح وقيامة معه لحياة جديدة، وأنها تتم بالتغطيس باسم الثالوث القدوس لمغفرة الخطايا، وأن الأطفال وجميع أهل البيت كانوا يُعمَّدون مع أهاليهم عندما كان رب (أو ربة) البيت يعتنق المسيحية، فإن أي لاهوت مخالف لهذا اللاهوت وأية ممارسة مخالفة لهذه الممارسة هما غير مقبولين حتى لو حاول المؤمنون بهما أن يستشهدوا على موقفهم من الكتاب المقدس. لأن إيمانهم قد انحرف عن إيمان الكنيسة وفهم للكتاب المقدس هو مختلف عن فهم الكنيسة الرسولية له عبر العصور وفي كل مكان ومن قبل الكل. إذاً، إن فكرة أن أي إنسان كان يستطيع أن يستنتج أو يستنبط تعاليم لاهوتية من الكتاب المقدس وحده فقط بدون الرجوع إلى تقليد الكنيسة، هو مفهوم يعطي الضوء الأخضر لظهور هرطقات وتعاليم تخالف الكتاب نفسه والتقليد معاً.
4- الافتراض الرابع:
المسيحية كفكرة: الرد: المسيحية بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية هي حياة جديدة وليست مجرد ديانة جديدة، لأن المسيحية هي الحياة في المسيح، وهو الذي يعيش في المعتمدين باسمه. إذاً ليست المسيحية جملة تفاسير وتعاليم وعقائد، بل هو وحدة عضوية بالمسيح يسوع من خلال جسده الكنيسة المقدسة (33).
الافتراض الخامس: الإيمان
بالكتاب المقدس بحد ذاته: الرد: سنناقش هذا الموضوع من خلال مناقشة عدة نقاط موضحة. نقول بشكل عام: الكنيسة هي جسد المسيح والكتاب كلامها. يجعلون كلامها سيّدها. في النهاية وضعوا العجلة أمام الحصان، فضلّوا سواء السبيل. يسوع أسّس كنيسة. الروح القدس أقامها يوم العنصرة وأقام فيها. هل يُقيم في الكتاب المقدس؟ هل يستطيع الكتاب المقدس أن يعمِّد بالروح القدس ويصنع الخبز والخمر جسد الرب ودمه؟ الكنيسة تصنع ذلك لا الكتاب.
"على ما في الكتب": إن
الإيمان بالكتاب المقدس كموضوع إيمان، وكخاضع لدستور الإيمان العقائدي
يمثّل انحرافاً جذرياً عن إيمان الكنيسة الأولى. فلا يوجد أي من دساتير
الإيمان الأولى للكنيسة يبدأ بمقولة متعلقة بالكتاب المقدس؛ كل دساتير
الإيمان هذه تبدأ بالتأكيد على الإيمان بالله الواحد. هذا أيضاً صحيح
بالنسبة لدستور الإيمان النيقاوي (القرن الرابع) وسواه. على كل حال،
تحتوي دساتير الإيمان القديمة على تأكيد إيماني لا يوجد في دساتير
إيمان البروتستانت الحديثة: وهو الإيمان بالكنيسة. في دستور الإيمان
النيقاوي تعترف الكنيسة بإيمانها بالله الواحد الآب الضابط الكل،
وبالرب الواحد يسوع المسيح، وبالروح القدس، وبالكنيسة الواحدة الجامعة
القدوسة الرسولية. بالنسبة للكنيسة القديمة، فإن الكنيسة نفسها كانت
موضوع إيمان وبند إيمان من بنود دستور الإيمان. فالكنيسة الأولى اعترفت
بالإيمان بالكنيسة نفسها كاعترافها بالله.
النصوص الكتابية التي تبرهن على عقيدة
"الكتاب المقدس حصراً" بحسب البروتستانت":
1- "كل
الكتاب موحى به من الله ونافعٌ للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب
الذي في البرّ. لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح"
(2تيموثاوس 3: 16-17). الملاحظة الأول أن كلمة "الكتاب" التي
يستعملهما بولس الرسول هنا تشير إلى أسفار العهد القديم. فالكتب
المقدسة التي كانت متوفرة لدى طفولة تيموثاوس كانت بالطبع أسفار العهد
القديم. ثانياً، تطبق الكنيسة الأرثوذكسية كلام بولس الرسول على العهد
الجديد أيضاً ولكن قانون العهد الجديد لم يوجد قبل القرن الثالث
الميلادي كما اشرنا سلفاً. لهذا لو كان بولس الرسول يقصد هنا أن الكتاب
وحده كافٍ (أي العهد القديم) لكان هذا يلغي ضرورة وجود العهد الجيد.
ثالثاً، بولس يؤكد بطريقة غير مباشرة أن العهد القديم غير كافٍ وحده.
فالآية الثامنة من النص نفسه تذكر اسمين هما "ينيس ويمبريس" (2تيمو3:
8)، هذا بالإشارة إلى خروج 7: 11-12. لكن سفر الخروج لا يذكر أسماء
هذين الساحرين؛ أي أن بولس يستعمل اسمين أخذهما من التقليد اليهودي
وليس من أسفار العهد القديم. مما يعني بالنسبة لبولس أنه باستشهاده من
تقليد شفوي كتابي يؤكد على أن الكتاب المقدس (العهد القديم في أيامه،
والعهدين القديم والجديد في أيامنا) لا يلغي ضرورة الحاجة لوجود تقليد
كتابي شفوي مُعترف به ويُؤخذ به. في هذا النص نفسه يقول بولس لتيموثاوس
"وأما أنت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي إيماني وأناتي ومحبتي
وصبري،إلخ.." (2تيمو3: 10). ويقول في الآية 14: "وأما أنت فاثبت على ما
تعلّمت وأيقنت عارفاً ممن تعلّمت". إذاً يخصّ بولس تيموثاوس هنا على
حفظ التعليم الذي استلمه تيموثاوس من بولس ومن معلِّمين آخرين. عندئذ
يقول بولس لتيموثاوس: "وإنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة
أن تحكّمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع" (2تيمو3: 15). هنا
الخلاص يأتي من الإيمان بالمسيح وليس من الأسفار المقدسة بحد ذاتها.
فالكتب المقدسة ترشد إلى الإيمان بالمسيح يسوع، وهذا الإيمان بالمسيح
هو الذي يخلّص. وهذا ما يؤكده بولس في الآية 16 عندما يقول: "كل الكتاب
هو موحى به من الله، ونافعٌ للتعليم والتوبيخ، إلخ...". أي، إن العهد
القديم في أيام بولس، والكتاب المقدس بعهديه فيما بعد، هو موحى به من
الله، وينفع لتعليم وتوبيخ المؤمن بالمسيح والذي صار لله هذا الكتاب
كتاباً موحى به. أما بالنسبة لغير المؤمن بالمسيح، فالكتاب المقدس لا
يعني له شيئاً أكثر من مجرد عمل أدبي أو تاريخي. لذلك المهم هو الإيمان
المسيحي وهو الذي يجعل المسيحي مؤمناً بأن الكتاب المقدس هو موحى به من
الله وهو الذي يجعل الكتاب نافعاً للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب
الذي في البرّ، وهذا ما يكشفه بولس في الآية 17 عندما يقول: "لكي يكون
إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح". أي يقول بولس إن الكتاب
المقدس نافعٌ للتعليم والتوبيخ... لإنسان الله، فلو لم يكن هذا الإنسان
هو إنسان الله لما كان هذا الكتاب هو كتاب الله، كتاباً مقدساً
ونافعاً؛ أي الكتاب المقدس بحد ذاته لا يخلّص إنساناً حتى ولو كان
يحفظه عن ظهر قلب. فيمكن للوثني أن يحفظ الكتاب المقدس بصورة أفضل من
المسيحي، ومع ذلك لا يخلص إلا إذا آمن بالمسيح واعتمد. الإيمان بيسوع
هو الذي يخلّص الإنسان، وهذا الإيمان يقود المسيحي إلى المعمودية ليولد
من المسيح ثانية، وهو الذي يقود المسيحي إلى الاعتراف بأن الكتاب
المقدس كتاباً مقدساً ونافعاً، إلخ. إن تأكيد بولس على أن العهد القديم
في أيام تيموثاوس هو موحى به من الله ونافع إنما ناجمٌ عن وجود تيارات
فكرية وغنوصية كانت تطعن بالعهد القديم في تلك الأيام، وهذا واضح من
رسائل بولس (1تيمو6: 20؛ 1تيمو1: 4 و4: 7؛ و2تيمو4: 4). لهذا يقول بولس
لتيموثاوس إن تعليمي لك لا يحلّ محل الفائدة الناجمة من معرفة الكتاب
المقدس (العهد القديم في هذه الحالة). إذاً، يسأل بولس تلميذه تيموثاوس
أن يحفظ الوديعة (1تيمو6: 20)، وأن يثبت في تعلّمه، واثقاً وعارفاً
مصدر تعليمه (2تيمو3: 14)؛ ومعظم ما تعلّمه كان شفهاً غير مكتوب. وضد
التيارات الغنوصية التي كانت تطعن بالعهد القديم، فإن بولس الرسول كان
يؤكد لتلميذه تيموثاوس أن الكتاب المقدس (العهد القديم هنا)، والذي
درسه تيموثاوس منذ طفوليته، هو حقاً موحى به من الله ونافعٌ. طبيعة التقليد: في الدفاع عن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً"، يدّعي البروتستانت أن الكنيسة الكاثوليكية تقبل بمصدرين للتعليم هما الكتاب المقدس والتقليد، وأن هذا التقليد قد جٌعل مساوياً للكتاب المقدس. ويقولون إن اعتماد الكنيسة الكاثوليكية على التقليد قد أدّى إلى عقائد مستحدثة مثل الحبل بلا دنس، وعصمة البابا، لهذا يستنتج البروتستانت أن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" هي الوحيدة التي تضمن عدم تطور عقائد مخالفة للكتاب المقدس. بادئ ذي بدء الكنيسة الأرثوذكسية ترفض العقائد الكاثوليكية السابق ذكرها (الحبل بلا دنس، عصمة البابا وأولويته، المطهر، إلخ) لأنها لا تنتمي إلى التقليد الكنسي الأرثوذكسي. أيضاً، الكنيسة الأرثوذكسية لم تقبل بمصدرين للسلطة في الكنيسة. فالكنيسة الأرثوذكسية تميّز مصدراً واحداً للسلطة ألا وهو التقليد الرسولي الذي يشمل في قدس أقداسه التقليد الرسولي الكتابي أي الكتاب المقدس (وهو المصدر المكتوب للوحي الإلهي الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل عبر العصور)، والتقليد التقليد الرسولي غير الكتابي (وهو مكتوب وشفوي). لننظر ماذا يقول العهد الجديد في التقليد أو التقاليد. لنبدأ بمثال موضح من الترجمة الإنكليزية "الترجمة العالمية الجديدة" NIV للعهد الجديد وهي من أكثر أكثر الترجمات المستعملة لدى البروتستانت (وهي من أشهر الترجمات الإنكليزية بعد ترجمة King James) حيث نجد عشرة أماكن عن "التقليد" وهي: متى15: 2، 3، 6؛ مر7: 3، 5، 8، 9، 13؛ وغلا1: 14 وكول2: 8. في كل حالة من هذه الحالات يُقدَّم التقليد على أنه شيء سلبي ويعاكس الحقيقة الإلهية. الأمر نفسه حاصلٌ تماماً في ترجمة فان دايك البروتستانتية العربية المشهورة. مثلاً في مر7: 8: "لأنكم تركتم وصية الله وتتمسكون بتقليد الناس". على ضوء هذا ليس من المستغرب أن نجد أن البروتستانت يجدون صعوبة في إيجاد أي شيء إيجابي يمكن أن يقولوه في التقليد. لكنهم يجهلون أو يتجاهلون صعوبة أنه بالإضافة إلى النصوص السابقة توجد ثلاثة نصوص أخرى في العهد الجديد (تغفلها الترجمات البروتستانتية) تذكر التقليد على أنه شيء إيجابي. وبالحري فإن هذه النصوص الثلاثة تأمرنا أن نحفظ التقاليد الشفوية التي استلمناها من الرسل. البروتستانت يجهلون هذه الآيات، جزئياً لأنهم يعيرون انتباهاً كبيراً للآيات الأخرى، وجزئياً لأنهم يستعملون ترجمات بروتستانتية تحرّف الآيات التي تعاكس التعاليم البروتستانتية كما سنُظهر في هذا المثال الموضح. لو عدنا إلى العهد الجديد اليوناني، لوجدنا أن كلمة التقليد اليونانية paradosis وتأتي 13 مرة في العهد الجديد ولبس 10 مران! ومن اللافت للنظر أن ترجمة NIV تترجم كلمة paradosis اليونانية بكلمة "تقليد" في كل مرة إلا في ثلاث آيات هي: 2تسالونيكي2: 15، 2تسالونيكي3: 6 و1كورنثوس11: 2. فالمثال الأول هنا جاء في النص العربي (ترجمة فان دايك البروتستانتية) والنص الإنكليزي (الترجمة العالمية الجديدة): "فاثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسكوا بالتعاليم التي تعلّمتموها، سواء كان بالكلام أم برسالتنا". بينما في النص اليوناني لم ترد كلمة "تعاليم" بل كلمة "تقاليد paradosis" وهذا ما نجده في ترجمة King James الإنكليزية المشهورة أيضاً. فتصير الآية: "فاثبتوا أيها الأخوة وتمسكوا بالتقاليد التي تعلّمتموها، سواء كان بالكلام أم برسالتنا". كلمة "تقاليد paradosis" اليونانية هنا مشتقة من فعل paradidomi اليوناني الذي يعني "يسلّم أو ينقل أو يتناقل" (36). من السهل لأي إنسان عارف باللغة اليونانية معرفة عادية أن يدرك أنه يوجد تحريف في الترجمة لتغيير المعنى ولإبعاد أي معنى إيجابي في ذهن القارئ مرتبط بكلمة "تقليد" أو "تقاليد". فالمترجمون البروتستانت هنا حرّفوا النص اليوناني لكي يطابق عقائدهم ولم يغيّروا من عقائدهم لتتوافق من النص الإلهي المكتوب. من الواضح أن الترجمة العالمية الجديدة NIV قد حرصت على إبقاء كلمة "تقليد" أو "تقاليد" في النص الإنكليزي في كل مرة تأتي هذه الكلمة بالمعنى السلبي، ولكنها تحرص في الوقت نفسه على استبدال الكلمة اليونانية نفسها paradosis بكلمة أخرى غير "تقليد" أو "تقاليد" بل بكلمة قريبة منها مثل "تعليم" أو "تعاليم" في كل مرة تأتي هذه الكلمة اليونانية بالمعنى الإيجابي (37)! لو كان الكتاب المقدس فعلاً يفسّر نفسه بنفسه وكافٍ بحد ذاته فلماذا يلجأ البروتستانت إلى تحريف بعض النصوص الإنجيلية في ترجماتهم لتوافق هواهم ولاهوتهم؟ أو هل يفهم البروتستانت تعليم القديس بولس عن السلطة بصورة أفضل منه؟ هذا المثال هنا عن كلمة "تقليد" وترجمتها تعطينا نقطة مهمة جداً: لا بدّ لكل إنسان يقترب من الأسفار أو من الكتاب المقدس أن يقترب ضمن تقليد معين، وكل ترجمة للكتاب المقدس لا تتم إلا ضمن تقليد معيّن وتعكس جوانب هذا التقليد. فتوجد ترجمة بروتستانتية وأخرى كاثوليكية وأخرى أرثوذكسية وهكذا. أيضاً، كل تفسير للكتاب المقدس يُقدَّم ضمن إطار أو تقليد معيّن ويختلف هذا التفسير عن غيره بحسب خلفية التقليد الذي ينطلق منه هذا التفسير (38). لنتذكّر هنا: المراقب هو جزء من الحدث. 2تسالونيكي2: 15 يقول: "فاثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسّكوا بالتقاليد التي تعّلمتموها، سواءٌ كان بالكلام أم برسالتنا"، و2تسالونيكي3: 6 يقول: "ثم نوصيكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنّبوا كل أخٍ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التقليد الذي أخذه منّا". وفي 1كورنثوس11: 2 يقول: "فأمدحكم أيها الأخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء وتحفظون التقاليد كما سلّمتها إليكم". هذه الآيات تناقض ظاهرياً ما قاله بولس في كولوسي2: 8 "انظروا أن لا يكون أحدٌ يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطلٍ حسب تقليد الناس، حسب أركان العالم وليس حسب المسيح". هذا يعني أنه يوجد نوعان من التقليد بالنسبة لبولس الرسول. النوع الأول هو تقليد أو تقاليد الناس، والثاني هو تقليد أو تقاليد الكنيسة أو الرسل. فعلى المسيحيون أن يبتعدوا عن تقاليد الناس وأن يلتصقوا بتقاليد الرسل كما استلموها. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم في مواعظه (4: 2) على الرسالة الثانية لتسالونيكي: "فاثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسكوا بالتقاليد التي تعلّمتموها، سواءٌ كان بالكلام أم برسالتنا. هنا، من الواضح أنهم لم يسلّموا كل شيء بالرسالة بل كان يوجد الأكثر أيضاً، الذي لم يُكتب. وعلى نسق ما قد كُتب، فإن ما لم يكتب يستحق التصديق أيضاً. لنعتبر تقليد الكنيسة أيضاً مستحق التصديق. أهو تقليد؟ لا تسأل أكثر". المسألة أو المشكلة هنا هي أنه يوجد تباين كبير بين البروتستانت من جهة وآباء الكنيسة من جهة أخرى بخصوص مفهوم وطبيعة المسيحية. فالمسيحية بالنسبة للبروتستانت هي "جملة من الحقيقة" محفوظة "بدون عيب" في الكتاب المقدس حصراً. أما بالنسبة لآباء الكنيسة الأرثوذكسية، ليست المسيحية "جملة" أو "نظاماً"، بل هي "الحياة في المسيح". هذه الحياة لا يمكن أن تُحال أو تُحوَّل إلى مجموعة مُثُل أو أفكار مكتوبة أو إيديولوجية نظرية. القديس بولس نفسه يوضح هذا قائلاً في 2تسالونيكي3: 6: "ثم نوصيكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح أن تتجنّبوا كل أخٍ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التقليد الذي أخذه منا". ومن ثم يشرح ماذا يعني بوصفه طريقته في الحياة معهم، وكيف عمل بحيث لا يكون عبئاً عليهم، حتى ولو كان يحق له كرسول أن يعيش على نفقتهم. لقد أعطى هذا الرسول العظيم مثالاً حياً لأهل تسالونيكي عليهم أن يعيشوا وفقه وهذا المثال صار جزءاً من التقليد الحي الرسولي. هذا هو ما تعنيه الكنيسة بالتقليد. فالتقليد ليس جملة من العقائد تسير بصورة متوازية للعقائد المذكورة في الكتاب المقدس. لكنه الحياة التي سلّمها المسيح لرسله، وهم بدورهم سلّموها للكنائس التي أسسوها. فقط ضمن هذه الحياة (أو التقليد) يمكن للمرء وبصورة صحيحة أن يفهم ما هو مكتوب في الأسفار الإلهية. لهذا السبب كان الرسول بولس ملحّاً أن يحفظ أهل تسالونيكي التقاليد، أي الحياة التي سلّمها لهم. فقط بهذه الطريقة يمكنهم أن يفصلوا الرسائل الصحيحة عن الدخيلة. فقط بهذه الطريقة يمكنهم أن يفهموا بحقٍ ما قد كتبه الرسول بولس لهم.
القديس باسيليوس الكبير
(القرن الرابع) في مقالته "في الروح القدس" يُظهر بوضوح حقيقة كون
التقليد المقدس هو أكثر من كونه مجموعة من الأفكار أو المثُل. رداً على
هرطقة محاربي الروح القدس (المكدونيين) القائلين بأن المجلة: "المجد
للآب والابن والروح القدس" ليست كتابية، يجيب القديس باسيليوس أنه إذا
كان شيءٌ لم يُكتب فلا يعني أنه ليس عنصراً أصيلاً من التقليد الرسولي: في النهاية عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" أو Sola Scriptura كانت وليدة غيرة ولكن ليس بحسب المعرفة تجاه التجاوزات البابوية. ربما لا يقصد البروتستانت (أو معظمهم) أن ينتهي الأمر بهم إلى هذه النتائج الوخيمة، لكن الحقيقة لا يمكن كبتها أو تغطيتها. المطلوب اليوم هو العودة إلى إيمان الكنيسة الأولى، كنيسة العهد الجديد، كنيسة الرسل والشهداء والآباء المدافعين والمعلمين والنسّاك، إلخ... وليس العودة إلى الاجترارات الفكرية الفلسفية بغية الربح بعلم باطل. كل البروتستانت الذين تحوّلوا إلى الأرثوذكسية في الولايات المتحدة (وسواها)، وعددهم الآلاف، تجمعهم خبرة واحدة مشتركة: لقد وجدوا في الكنيسة الأرثوذكسية اللؤلؤة الضائعة، حبة الخردل، الخميرة الدفينة في العجين، النور الساطع للعالم. وعندما أقول الكنيسة الأرثوذكسية لا اقصد فلاناً من المطارنة أو البطاركة أو الكهنة. حاشا! وإنما أقصد أو يقصدون بالحري الكنيسة الأرثوذكسية كجسد المسيح الحي الذي حفظ عبر العصور السابقة وبدون تبدّل الإيمان الرسول الذي سلّمه إلينا رسل المسيح يسوع له المجد والسجود إلى الآبد. آمين.
(26) أيض، لماذا استغرق الأمر 1100 سنة أخرى قبل أن تأتي جماعة من
المسيحيين (الإصلاحيين) وتقرّر بأن الكتب اليونانية للعهد القديم لم
تكن مُلهمة؟ (أي الكتب السبعينية اليونانية التي لم تكن موجودة في
القانون العبراني و التي لم يقبل بها يهود مجمع
Jamin
سنة 90م، والتي يشير إليها الإصلاحيون بأنها قانونية ثانوية).
(30) Oscar Cullmann: Baptism in the
New Testament، The Westminster Press، Philadelphia،
1950.
(33) أخطر ما في البروتستانتية هو الفردية، بينما الكنيسة
هي جسد المسيح الواحد والمؤمنون هم أعضاؤه. هي تفكّك هذا
الجسم ليصبح كل بروتستانتي كنيسة مستقلة. ولكنه كنيسة
اسماً لا فعلاً. يحذف نفسه من الوحدة.
عن كتاب سألتني فأجبتك |
||
|
|