|
||
|
||
|
كلمة الله في العهد القديم هي الشريعة (التوراه في العبرية)، وهي تحديداً او تخصيصا تلك التي أعطاها الله لشعبه في سيناء. يُطلق عليها ايضا اسم "الكتب الخمسة" او "الكتب الموسوية الخمسة"، ذلك أن موسى، بحسب التقليد، هو المشترع والوسيط الذي عن يده حصل اسرائيل على هذه الشريعة. والواقع أن هذه الشريعة تحتوي على مصادر قديمة هي مجموعة من الروايات والتقاليد تناقلها الناس شفويا وكتبتها للمرة الاولى "المدارس النبوية"، على الأرجح، في القرن التاسع الى القرن الثامن ق.م.، وعلى مصادر أخرى متأخرة عنها هي التثنية والشرع الكهنوتي. وقد أثّرت هذه التقاليد في مراحل تكوين شعب الله وأمّنت بنيته. اما كتابة هذه الأسفار للمرة الأخيرة فترجع، غالبا، الى زمن عزرا الكاهن (القرن الخامس ق.م.). وحدة الأسفار الخمسة لا تعطّلها المظاهر الأدبية التي تأتي من هذه التقاليد، فقد تتكرّر الروايات والأحداث وقد تُلاحظ فوارق إنشائية لعلّ أبرزها استعمال أسماء إلهية مختلفة (يهوه وإيلوهيم). اتُّخذ هذان الاسمان لتسمية التقليدين الأدبيين المختلفين بـ: 1- التقليد اليهوي، 2- التقليد الإيلوهي. وُضع التقليد اليهوي في ايام داود-سليمان في مملكة الجنوب حوالى السنة 950 ق.م.، اي انه نشأ في الأوساط الملكية حيث كان للملك منزلة رفيعة فهو الذي كان يجسّد وحدة الإيمان. أهم شواغل هذا التقليد أن يلفت النظر الى قرب الحضور الإلهي، فالله الذي يحيا مع الانسان لا يتوقف عن الإحسان اليه، انه اله الوعد والعهد، اله يستطيع الانسان ان يلبيه بالعبادة. يتأصل التقليد الإيلوهي في تفكير الأنبياء، فقد حُرّر في مملكة الشمال (مطلع القرن الثامن ق.م.)، وهو يتجنّب وجوه التشبيه (الكلام على الله على نحو الكلام على الانسان). فالإله الذي لا يدرك يتجلى في هذا التقليد بواسطة الأحلام. واذا تكلم عن نفسه فيكون ذلك أثناء تجلّيات او ترائيات جلية. مع هذا التقليد ترسخت الاهتمامات الأخلاقية باحترام الله والقريب. فالله الذي لا يمكن رؤيته عرّف عن نفسه بوصاياه. دُمج هذان التقليدان (اليهوي والإيلوهي) في ما بعد في رواية واحدة، وذلك في اورشليم حوالى السنة 700 ق.م. . هذا الاندامج ما كان مجرد جمع ولكن مناسبة لاستكمال بعض التقاليد والتوسّع فيها. غير أن هذين التقليدين لا يكفيان لتحليل كل ما في التوراة من غنى أدبي، فنميّز تقليدين آخرين، يقال للاول "التقليد الكنهوتي"، وهو يتضمن تقاليد مستقلّة لا سيما شرائع في الذبائح والأعياد وضعها الكهنة في الجلاء في بابل وبعده. كانوا يجدّدون في المنفى قراءة تقاليدهم للمحافظة على إيمان الشعب ورجائه. اله النصوص الكهنوتية هو اله الكون الذي يريد انتشار الحياة على الأرض فهو الذي صنع الانسان على صورته ومثاله وخلّص البشرية في شخص نوح وقطع له عهداً وبعد أن اختار ابراهيم ليكون ابا لأمم كثيرة قطع ايضا له عهداً. وهو الذي نظّم العبادات بواسطة موسى وهارون. اما التقليد الثاني المقترَح فموجود خصوصا في تثنية الاشتراع، الا انه أثر في اسفار اخرى. بدأ وضعه في مملكة الشمال وانتهى في مملكة اورشليم. الله في هذا التقليد هو اله الآباء واله العهد وهو الذي بملء حريته يختار شعبا ويعطيه ارضا ومؤسسات (ملوك، كهنة، قضاة، أنبياء). وهو يعمل بحكم وفائه لمواعيده ويعمل عن محبته (6 :4)، والشعب مدعو مع هذه المحبة لاتّباع الشريعة. هذه التقاليد واستكمالاتها تنبعث من تاريخ تندمج فيه بلا انقطاع، هي طريقة تعليم الله الذي يتّخذ له شعبا يصوغه على صورته "كونوا قديسين لاني انا قدوس" (لاويين 11: 45) وهي ايضا تعبير عن فكر هذا الشعب الديني. هذه التوراه تهمّ كل من يتلمس مطلات الله في التاريخ حضورا حيا وكلمات فاعلة، وهي تاليا ككل العهد القديم كتاب كل مسيحي، ذلك انها تحوي المسيح اذ ترمز اليه وتمهّد له وتعلنه مسبقاً. |
||