|
||
|
||
|
هي أقصر أسفار العهد الجديد، كتبها الرسول الإلهي فحافظ على الطريقة السائدة في كتابة الرسائل في ذلك الزمان والتي عرفناها في مجمل رسائله. وجّه الرسول بولس هذه الرسالة الى وجيه في كولوسي (فيما يسمى اليوم "تركيا") اسمه فيليمون، كان الرسول قد أعتقه من الوثنية (آية 19، ربما كان ذلك في فترة إقامته في أفسس). ويعرف قارئ هذه الرسالة الصغيرة (اصحاح واحد) أن فيليمون هذا الذي آمن بالرب يسوع وأحبه وأحب القديسين حبا شديدا (5-7)، وضع بيته في تصرف الإخوة في كولوسي (2)، ولعله اصبح عضوا قياديا في الكنيسة وأحد أشرافها البارزين. دُوَّنت هذه الرسالة في ظرف خاص، فبولس كان في السجن، وقد التقى بأُنِسيموس العبد الهارب من وجه سيده فيليمون، الذي ارتد، بتأثير الرسول، الى المسيح (10)، فأحبه بولس وصار كقلبه (12) مفيداً له، وفق اسمه، وأراد ان يستبقيه عنده (لم يُروَ لنا سبب هربه ولا كيف التقى بالرسول وأين). غير ان بولس كان واعيا لحقوق فيليمون، فأُنسيموس مملوكه الشرعي، وبقاؤه معه قد يحرجه، ويسبب للعبد عقابا عظيما.ظيما. ولا يخفى على مطّلع أن القوانين الرومانية القديمة كانت تحرّم على العبيد أن يعتقوا انفسهم، وكانت السلطات تلاحق الفارّين منهم، وقد أُعلنت شرائع تمكّن الاسياد من أن يفرضوا على عبيدهم -في حال هربوا- عقوبات قاسية (يطبعونهم بالحديد الحامي ويمنعونهم من التحرر مدى الحياة)، وقد يقتلونهم. والأمر الذي كان شائعا، في تلك الايام، أن العبيد الذين يبعهم اسيادهم كانوا يُرغمون على العمل في المناجم، او يموتون في حلبات المصارعة. لا شك ان بولس كان يدرك كل هذه الأمور إدراكا جيدا، ويعرف تماما مقدار الجرح الذي سبَّبه العبدُ الهارب لسيده. غير انه كان يثق -استنادا الى معرفته وصداقته لفيليمون- بأن الشعور المسيحي سوف يغلب الطبقية ويشفي ما قد يكون تسرب الى قلب السيد من ألم او ضغينة. يحسن بنا أن نبتعد عمّا قاله بعض علماء التفسير من أن هذه الرسالة هي بحث في العبودية. لا شك أن حجم الرسالة حائل دون قبول هذا الرأي، وأن ظرفها الخاص -بمعنى انها تعالج قضية عبد فرّ من وجه سيده- هي التي دعت الرسول الى أن يكتب فيها في أمر العبودية اكثر مما فعل في رسائله الأخرى. ونرى أن بولس لا يناقش في رسالته (التي قد يكون أُنسيموس نفسه هو الذي حملها) الوضع القانوني والاجتماعي الذي كان سائدا في تلك الايام، اذ لا يطلب فيها من فيليمون، علناً، أن يعتق أُنسيموس، وإنما يتوقع منه مسامحته وارتضاءه من جديد لا كعبد بل "أخا حبيباً" (15 و16). كتب بولس رسالته بمحبة ولباقة وضمّنها ثناء حاراً لما فيه خير الإنجيل وخير المؤمنين، فهو، مثلا، لا يستعمل سلطته الرسولية ولا يُذكّر فيليمون بفضله عليه، وذلك أنه كان يدرك تماما أن هذا السيد الذي هو "غصن لكرمة الحياة"، كما تسميه خدمة عيده في 22 تشرين الثاني، سوف يفعل، من دون أمر، ما طُلب منه واكثر (21). ولفيليمون وحده أن يفهم ما يقتضيه هذا "الاكثر" ويتجاوب معه بحرية (لعل بولس كان يتوقع من فيليمون أن يعيد أُنسيموس اليه من اجل خدمة الإنجيل). لقد رأى عن حق، مفسرون عديدون -استنادا الى بنية الرسالة وشبهها مع رسائل بولس الأخرى- أن الرسالة الى فيليمون، على الرغم من طابعها الشخصي، هي رسالة الى كنيسة من الكنائس الناشئة، كتبها بولس فمرّر، عبر تلميذه، ما أراد أن يعلّمه لجماعة عارفة بالقضية التي تعالجها الرسالة ومهتمة بالحل الذي يقترحه الرسول.رسول. يكتب بولس وهو في السجن، كما ألمحْنا سابقا وتؤكد ذلك الرسالة عينها (الآيات 1، 9، 13). غير أننا لا نجد في الرسالة اي تلميح الى مكان سجنه لنعرف تاريخ كتابتها والمكان الذي أُرسلت منه. يعتقد بعض المفسرين بأنها كُتبت من رومية، وآخرون يقولون من قيصرية. اذا رجّحنا المكان الاوّل تكون الرسالة قد كُتبت في أوائل الستينات (61-63). من المفيد أن نذكر أن علماء عديدين يضمّون هذه الرسالة موضوع مقالنا اليوم الى رسالتَيْ كولوسي وأفسس اللتين ارسلتا، عموما، من رومية، ويسمّيانها معاً "رسائل الأسر"، مما يوحي أن هذه الرسائل جملةً كتبت في وقت متقارب. تقدم الرسالة الى فيليمون تصويرا رائعا للمحبة المسيحية، وهي تساعدنا على أن نعتقد، بثقة، بأننا جميعا إخوة في المسيح يسوع، وتدعونا الى أن نترك لبعضنا البعض كل زلّة، ونرتضي سيادة الله علينا كحق واجب ونطيع مشيئته لنحيا. |
||