رسالة بولس إلى كنيسة غلاطية

 

          تقع غلاطية -التي خصّها بولس برسالته- على هضاب آسيا الصغرى (في ما يسمّى غلاطية الشمالية، وهي المنطقة الواقعة بين كبادوكية والبحر الاسود والممتدّة الى جوار انقرة)، وقد سُمّيت بهذا الاسم لأن سكانها الأصليّين أتوا من "غالية" (فرنسا الحالية). زار بولس المنطقة خلال رحلته التبشيرية الثانية (اعمال 16: 16) فأسس كنيستها، وعاد اليها في رحلته الثالثة (اعمال 18: 23) من اجل تثبيت إيمان الجماعة التي ابتدأت تتأثر ب"قوم يلقون البلبة" ويهددون كيان الإنجيل الواحد (1: 7).

          لا بد أن نذكر بدءا أن ثمة من يقول بأن بولس وجّه رسالته الى كنائس غلاطية الرومانية (انطاكية بيسيدية، ايقونية، لسترا ودربة) التي أسّسها خلال رحلته التبشيريّة الاولى (اعمال 13: 14...). غير أن هذا الرأي، الذي ظهر في القرن الفائت، اخذ يضعف امام الخيار الذي حمله تقليد الكنيسة الاولى، والذي بينّا مضمونه في افتتاح هذا المقال. ولعلّ السبب الرئيس الذي دفع معظم المفسرين الى العودة الى التقليد القديم، هو أن المنطقة التي وجّه اليها بولس رسالته لا يقطنها الا مسيحيون هم، حصراً، من اصل وثني (4: 8، 5: 2)، وهذا تاريخيا ينطبق على غلاطية القديمة. اما غلاطية الجنوبية فقد حوت يهودا كثيرين أقاموا في انطاكية بيسيدية (اعمال 13 :43) وايقونية (14: 1).

          وجّه بولس رسالته -لعله خطّها في آخر إقامته الطويلة في أفسس في بدء شتاء 56-57، وذلك قبل أن يكتب الرسالة الى رومية بستة اشهر، الأمر الذي يفسر التشابه الكبير الذي بينهما -الى كنائس متجاورة (نجهل عددها وبنيتها) عرف أنها ابتدأت تصغي الى بعض المتهوّدين الذين حاولوا أن يفرضوا على مؤمنيها "انجيلا آخر" لا يرضي الله، اذ قالوا بأن الإيمان بالرب يسوع لا يكفي للخلاص، وألحّوا على ممارسة الشرائع اليهودية (الختان...) لاستحقاق هذا الخلاص (ثمة أخطار أخرى كانت تهدّد جماعة غلاطية أوجبت الكتابة اليهم، ولعلّ أهمها التنديد بسلطة بولس والمطالبة بحرية لا يقيّدها شيء).شيء).

          عرف بولس الخطر المحدق بهذه الكنيسة الفتيّة فأراد أن يذكّرها بسعيها الاول الذي ابتدأ "حسنا" (5: 7)، ويعيدها الى الحقيقة (حقيقة الله الذي أنقذ العالم وجدّده بابنه يسوع، الذي فيه وحده تتوحّد البشرية وتصل الى كمالها) التي أنارت سبيلها قبلا.

          يفتتح بولس رسالته بتأكيد "مفاجئ" على سلطته، يجعلنا نستشف خيوط الأزمة منذ البدء، فهو رسول "لا بمشيئة انسان بل بمشيئة يسوع المسيح...". ونجده، بدل الإطراء الذي اعتدنا عليه في افتتاح رسائله، يعنّف الغلاطيين لانشغالهم بتعليم لا نفع فيه. ويتابع (11) الدفاع عن دعوته، فيعود الى كلمات الأنبياء، (ارميا، اشعيا) ودعواتهم، ليؤكد، بعد أن يسقط كل التهم، أن سلطته معطى إلهي (13-24). ثم يذكرهم بأن الإنجيل الذي يشككون به هو الذي يهب الخلاص لكل البشر، لأن محوره المسيح الذي أحبنا "وجاد بنفسه" من أجلنا (2: 15-21)، وحررنا من أعمال الشريعة القديمة (راجع قرارات مجمع اورشليم، اعمال الرسل 15: 5-29)، وهو وحده يبرّر كل مَنْ يؤمن به (اليهود والوثنيين).

          يعود بولس في الإصحاح الثالث الى خبرة الغلاطيين (1-5)، فيذكّرهم بأن الذي يهبهم الروح ويجري بينهم المعجزات لا يفعل ذلك لانهم "يعملون بأحكام الشريعة"، وإنما لأنهم أطاعوا "خبر الإيمان". ثم يقدم لهم برهانين: أولهما كتابيّ 6-14 (لا نعجب من أن الوثنيين يعرفون العهد القديم اذ كان هو الكتاب الذي تقرأه الكنيسة الاولى وتشرحه في كل اجتماعاتها) ليبيّن حقيقة الإنجيل الذي بشّرهم به، والثاني قانونيّ 15-18. وفي التفصيل نذكر أن اليهود كانوا يعتبرون أن أبناء الأمم يصبحون اولاد ابراهيم بخضوعهم لطقس الختان. هذا ما جعل بولس يعود الى الكتب القديمة ليؤكد أن الأمم باتوا أولاد ابراهيم وورثة له بمشاركتهم في ايمانه، وذلك أن الله قَبِلَ ابراهيم وبرّره (بالإيمان) قَبْلَ أن أُعطيت الشريعة بزمن طويل (تكوين 15: 6). وظيفة الشريعة انها كانت تحرس الناس وتؤدبهم، ولما "جاء الإيمان لم نبقَ في حكم الحارس" (25)، اذ حررنا المسيح، وبتنا "جميعا" (اليهود والوثنيون) أبناء الله بالإيمان به بالمعمودية التي أنهت كل اعتبار للعرق والوضع والجنس.

          جدّد بولس قراءة تاريخ شعب الله فأظهر المسيح غاية الزمان ومِلأه (4:4)، هذا الذي كان أهل غلاطية يقبلونه ويؤمنون به قَبْل أن يتغيّروا ويهملوا الحرية التي ذاقوها ببشارة الإنجيل (4: 8-20). وليبعدهم عمّا يضلّهم، كتب لهم تفسيرا رمزيا عن زوجتَي ابراهيم: سارة وهاجر، فرسم دور العهدين، وذلك أن الواقعين تحت نير الشريعة هم اولاد ابراهيم من جاريته هاجر، اما نحن المسيحيين فإننا أبناء سارة بالروح أحرارا وورثة وننتمي الى اورشليم السماويّة (4: 21-31).

          لقد أسخط بولس هذا التشويش المعثر، فتمنّى لو أن الذين أثاروه بمناداتهم بختان باطل "يَجُبُّون أنفسهم"، اي يفسدون برتب وثنية مُذلة. ودعا اهل غلاطية الى الحرية التي يهبها المسيح بالروح القدس ليعيشوا، بلا تفلّت، رهن إرادة الله بكل محبة وإيمان ورجاء (5: 1-12). وقدّم لقرّائه لائحتين متوازيتين: أعمال الجسد (19-21)، وثمر الروح (22-24)، وأرفقهما بوصايا دعا فيها اهل غلاطية الى أن يسلّموا حياتهم اليومية للروح القدس، فازدرى بالعُجب بالنفس وكل تحدّ وحسد، وحضّهم على أن يحملوا "أثقال بعض" ليتمّوا "شريعة المسيح" التي هي محبة "جميع الناس" (ولا سيما اخوتنا في الإيمان) وإشراكهم "في جميع الخيرات" (5: 25-6: 10). وأنهى بولس رسالته بالافتخار "بصليب ربنا يسوع" الذي به عرفنا، بشكل جازم وأخير، أن الله يحبّنا الى الأبد.

          الرسالة الى كنيسة غلاطية رسالة الى كل كنيسة، في كل جيل، لتعرف كيف تبتعد عن كل فكر غريب منحرف وتحفظ ذاتها بخضوعها لإنجيل الحبّ والحرية والتجدّد.