|
||
|
||
|
هو الإنجيل الذي تتلى فصولُه في الليتورجيا المقدسة ابتداء من يوم الاثنين الذي نعيّد فيه للروح القدس. للكتاب مكانةُ كبرى في الكنيسة الاولى، فهو الاكثر استعمالا من اغناطيوس الأنطاكي (+117) الى إيريناوس أسقف ليون(+ 202). وقد اهتمّ الكثيرون من المعلمين او الآباء القديسين، في الشرق والغرب، بتفسيره، منهم: اوريجنس، يوحنا الذهبي الفم الذي قدّمه ب 90 عظة، كيرلس الإسكندري، هيلاريون اسقف بواتييه الذي ركز في شرحه على سرّ الخلاص، إيرونيموس الذي اهتمّ بالبعد التاريخي للكتاب...عُرِفَ الكتاب باسم "الانجيل الكنسي"، وذلك لتركيزه على ملكوت الله وانطلاقته في الكنيسة، وهذا عمليا له ارتباط بالعنصرة، لأن الروح الإلهي هو الذي يقيم الكنيسة في ملكوت الله منذ الآن وبآن يمكّنها من الشهادة في العالم لهذا الملكوت الحاضر الآتي. ينفرد انجيل متى باستعمال كلمة "كنيسة" (16: 16؛18: 17)، ويبدو حريصا على تنظيمها وتقاليدها وعلى التعليم الذي يعرضه خصوصا في ما سمّي ب "الخِطَب الخمسة"، وهي: العظة على الجبل(الاصحاحات 5- 7) خطبة الإرسال(الاصحاح 10)، خطبة في سبعة أمثال(الاصحاح 13)، خطبة قاعدة الجماعة(الاصحاح18)، خطبة النهاياتك المجيء النهائي لملكوت الله في شخص يسوع (الاصحاحان 24- 25)، حيث يظهر يسوع معلّما في الجماعة التي تتتلمذ عليه لتحيا بموجب تعاليمه اولا " في البيت " اي في الكنيسة، ومن ثم لتحمل هذه التعاليم شهادة كلام وأعمال صالحة الى الأمم ل"يتمجّدوا الآب الذي في السموات"، وهذا يعني ليصيروا هم ايضا (اي الأمم) تلاميذ ليسوع (راجع 5:14 –16 و 28: 19). ويجعلنا انجيل متى نعيش داخل كنيسة تُكرِّم ربها بالاسرار المقدسة، فالمعمودية تمارَس ب"اسم الآب والابن والروح القدس" وتُفهم في ضوء موت الرب وقيامته، والتوبة، سرّ له مكانته فيها ومنوط بها، والإفخارستيا (سر شكر) هي ذروة الصلاة والمحبة وتذوُّق مسبق للفرح الاخير. ويهتمّ متى، خصوصا، بالحياة الأخوية والرباط الزوجي المقدس وقبول الاطفال في الجماعات وبالقفر عن طريق توزيع المال على الفقراء (راجع الاصحاحين 18 و19). الشهدات القديمة (بابياس اسقف هيرابوليس، إكليمنضُس الإسكندريّ، ايريناوس، اوريجانس وافسابيوس القيصري...) ربطت بين الانجيل ومتى الرسول، وعلى ما يبدو أن الكتاب دُوِّن اولا باللغة الآرامية، وجاء في ما بعد واحد من تلاميذ الرسول (او اكثر) – ما بين سنة 80 وسنة 90 – وأعطى الكتاب شكله النهائي في اليونانية بعد أن وضع في رأس النص عبارة "كتاب متى". يَرِد اسم متى في لوائح الرسل الاثني عشر كلها (متى 10: 3؛ مرقس 3: 18؛ لوقا 6: 15؛ أعمال 1: 13). الانجيل الذي يحمل اسمه يذكر أن يسوع دعا رسوله متى بينما كان "جالسا عند مكان الجباية" (9: 9)، اما مرقس ولوقا فيرويان الخبر عينه الا أنهما يسمِّيان المدعوَّ "لاوي". ما يؤكده التراث هو أن متى ولاوي اسمان بلغتين مختلفتين – يونانية وعبرية – وانما الشخص واحد. في النجيل نفسه ملامح عديدة مرسومة تدلّ على كاتبه، أهمها انه مسيحي من اصل يهودي يعرف العهد القديم والعادات اليهودية (عاد الى العهد القديم اكثر من 130 مرة)، مما يوحي بأنه وجّه كتابه الى المسيحيين من اصل يهودي، قد يكونون يقيمون في سورية وشمال فلسطين. يتكلم كثيرا عن "ملكوت السموات" (وردت عبارة "ملكوت السموات" وما في مدلولها 46 مرة في انجيل متى) وهو اصطلاح يندرج في التقليد اليهودي على "ملكوت الله" ويشير – باختصار – الى سيادة الله على شعبه. يحب تكرار العبارات (8: 12، 22: 13، 15: 30) ويستعمل الموازاة (16: 25....)، ويفضّل المجموعات العديدة (7طلبات في الصلاة الربية، 7 أرغفة، 7 سلال، 7 ويلات على الفرسيين...، 3 تجارب، 3 أعمال صالحة 6: 1 – 18، 3 عشور 23: 23...). كما أن التعاليم الأخىقية والعمليّة في الكتاب وُضعت في أُطرٍ يهودية، فشريعة موسى (مع الانبياء) ما زال قائمة وقد جاء السيد ليصلها الى الكمال، الصلاة والصدقة والصوم قِيَمٌ تبنّتها المسيحية بعد أن صبغتها بحلة جديدة. يمتاز انجيل متى بأنه انجيل الكنيسة التي يجتمع فيها كل الجنس البشري. فالسيد الذي لا ينسى "خراف بيت اسرائيل الضالة" (10: 6) هو نفسه يدعو الى تخطي الحدود الجغرافية والعرقية التي يؤكد متى انها جميعها سقطت (2: 1 – 12، 4: 25، 8: 5 – 13، 12: 18 – 21، 15: 21 – 28، 22: 9، 24: 14، 26: 13، 27: 54، 28: 19). وفي ما يقدِّم متى المسيحَ باعتباره "المسيّا" الذي وعد الانبياء به انه سيملك على "كرسي داود"، والذي هو "الله معنا" (1: 23، قارن مع "انا معكم" 28: 20)، يعلن أن اليهود رذلوه وصلبوه ورفضوه، وهذا يعني اننا امام إله رفضه شعبه وهو مرميًّ في العالم، يقدّمه الانجيل على انه يَقبلُ الجميعَ وهو ينتظر أن يقبلهُ الجميعُ لأنه إله الجميع. انجيل متى يدعونا الى أن نكون تلاميذ ليسوع ومن خاصته، وهذا، بلا شك، يتممه الروح القدس الذي اذا دعوناه واستنرنا بأنواره يمكّننا من أن نصغي الى صوت يسوع اذا تكلم، وأن "لا نقسّي قلوبنا" فلا نطيع، كما أنه ينبّهنا الى أننا مسؤولون لأن يكون كل العالم تلاميذ للرب المعلّم الذي له وحده وبه يليق كل مجد.
|
||