|
||
|
||
|
كورنثوس هي مدينة هلنستيّة يربو عدد سكانها -وفق بعض التقديرات- على نصف مليون نسمة اليوم. ازدهرت بفضل موقعها الجغرافي كمنطقة تجارية كبرى، فهي تملك مرفأين: أحدهما على بحر إيجيه او بحر الأرخبيل، والثاني على البحر الادرياتيكي. وهي نظير سائر المدن العظمى في تلك الايام جمعت بين ظهرانِيْها أمما مختلفة الأجناس والأديان: يونانيين ولاتينيين وسوريين وآسيويين ومصريين ويهودا... تنوّعوا ما بين عبيد وأحرار (لعلّ ثلثي سكانها كانوا من العبيد)، وأغنياء وفقراء. غير أن سمعتها كانت سيّئة، فقد خُصّت المدينة بهيكل أفروديت (الهة الحب) الذي كانت خادماته يُزاوِلْنَ البغاء عبادةً، حتى إنه كان كل مَنْ يسلك طريق الرذيلة يُنعت بالقول الشائع: "سار سيرة أهل كورنثوس". يضاف الى ذلك أن المدينة كانت مركزاً فكريا ودينيّا ضمّت العديد من المذاهب الفكرية وعبادات الشرق الغيبية. قَدِمَ بولس الى كورنثوس -كما يروي كتاب أعمال الرسل (18: 1-18)- في رحلته التبشيرية الثانية، على الأرجح في العام 15، وأقام فيها سنة ونصف السنة أسس كنيستها، وبقي على اتصال بها حتى بعد رحيله عنها. لا تفترق كنيسة كورنثوس عن مدينتها، فقد ضمّت أجناسا مختلفة أكثرهم من الفقراء والوثنيين، وتطبّعت، خصوصا، بالانقسامات الداخلية والتحزّبات (1: 12)... غير أن بولس لم ينثنِ عن الإعجاب بحماس مؤمني كورنثوس الذين أنشأتهم كلمة الله، فاهتمّ، في معاملتهم، بأن يجعلهم يكتشفون في المسيحية طريق حياة جديدة لا مثيل له. لم يؤرخ بولس هذه الرسالة، ولكن يبدو أنه كتبها، على الأرجح، من مدينة أفسس حوالى ربيع العام 56، وذلك بحكم الضرورة، بعد أن استخبر عن أحوال الجماعة هناك (كان قد استلم، من بريد سابق، بعض الأسئلة التي تتعلق بهذه الكنيسة الناشئة (7 :1، 16: 17)، وأوصل اليه بعضُ المسافرين شكاوى وأخباراً عدّة (1: 11، 5: 1)، استفاد منها في كتابته اليهم). تعالج الرسالة قضايا عدّة -لا تخفى على قارئها- وهي تنطلق من أحداث خاصة بالزمن الذي كُتبت فيه، وذلك أن بولس، انطلاقاً من وقائع عمليّة تختص بزمنه، فكّر في أن يعيد كل شيء الى يسوع الرب والإيمان به. اقتصر بولس في رسالته على البحث في المواضيع التي طرحتها عليه الجماعة في كورنثوس وما أسري اليه وتحقق منه كما ذكرنا آنفاً، وأما التصميم الذي اتبعه فكان على الشكل التالي:
يدلنا هذا التصميم على المشاكل التي تعرّضت لها البشارة في كنيسةٍ مؤسسةٍ حديثا، والتي قد تتعرّض لها مطلق كنيسة في أي عصر من العصور. ما يجب أن نؤكده هنا هو أن الإيمان الجديد لا يبيد الثقافات السائدة، ولكن طبيعته تأبى التزاوج الكلّيّ مع اي منها. هو له حكمته في قبول او رفض ما يشاء، غير أن اي ثقافة لا تستطيع أن تحفظ هي من المسيحية ما تشاء او تنبذ ما سواها، وتبقى نافعة. فالمسيحية كلٌّ مجدّد، والثقافات عموما تسيّرها وترتّبها قوى دافعة يُخشى دائما أن تشوّه الرسالة المخلّصة. في مدينة كورنثوس كانت تسود الحضارة اليونانية وثقافتها في ما يتعلق بالحكمة ومدارسها ومعلّميها ونظرتها الى الزواج والجنس...، وكان لها تاليا ثقافتها الدينية وما اليها من عبادات وعقائد وعادات أدّت بالذين قبلوا البشرى الجديدة، من دون أن يتطهروا كليا من معتقداتهم القديمة، الى أن يَسقطوا في انحرافات جمة. فالانقسامات التي عرفتها الجماعة الناشئة أساسها، بلا ريب، المثال الذي كان يأتيها من مدارس الحكمة وفصاحة المعلّمين الوثنيين، مما جعل أعضاء في كنيسة كورنثوس يقارنون بين بولس وغيره من المعلمين المسيحيين على أساس اعتباراتهم القديمة، وأن يُؤْثِروا واحدا على آخر ويتحزّبوا له. ولذلك دعا الرسول قرّاءه الى قبول الحكمة الحق التي ليست هي ثمرة بحث فلسفي ولا تزكّيها قدرة بشر، وإنما هي عطاء من الله القدير (2: 5)، وحضّهم على التخلي عمّا دونها، لأن الله قادر أن يخزي الحكماء "بحماقة الإنجيل" (1 :17-25). ونرى أن الحياة الجديدة التي تنتصب فيها مراعاة الآخر وعدم تعثيره أساس لا مثيل له في مواجهة بولس للانحرافات الجنسية والإمساك عن الزواج وأكل ما ذُبح للأوثان... فالزواج والبتولية أمران شرعيان لا يُكْرَهُ أحد حرّره المسيح على وضعٍ منهما، ولا يدعوه قبوله وضعاً حلَّله الله الى نبذ آخر. ويحذر الرسول من السقوط في العادات الوثنية أثناء الاجتماع الإفخاريستي، فثمة شركة تتميّز بها جماعة المسيح الواحدة التي تنميها مواهب الروح. والأمر الأساس الذي تُعطى من أجله المواهب ويُجمع الأخوة هو بنيان الكنيسة، ولذلك يُبرز الرسول "المحبة" ويعليها فوق كل المواهب، ويُفْرد لها إصحاحا كاملا (13) هو بمثابة نشيد لا يمكن لجماعة في العالم أن تستقيم ما لم تنشده قولا وسلوكا. ويرمي الرسول في الإصحاح 15، في حديثه عن القيامة، الى التقويم والتعزية، فالرب قام من بين الأموات، وإن لم نؤمن بقيامته فإن اعتقاداتنا كلها باطلة ونحن "أشقى جميع الناس"، ولكون المسيح هو "باكورة الراقدين"، فإن البشر سيقومون جميعا من الموت، لأن العالم كله أُعطي "الغلبةَ بربنا يسوع". قد لا تكون كل مواضيع الرسالة الأولى الى كنيسة كورنثوس مطروحة واقعيا على مسيحيي اليوم، غير أن أحدا لا يستطيع أن يهملها او ينفصل عنها من دون أن يسقط في تجربة إهمال الوحي ويخسر كنزا من السماء كان في متناول يديه. فكلمات بولس وأجوبته السديدة تذكّرنا، لا بل تدعونا الى أن نفحص حياتنا وكل التساؤلات والمشاكل التي تطرأ علينا وعلى الكنيسة على ضوء كلمة الله التي هي المرشد والمرجع الذي ينقذ العالم من كل انحراف. |
||